منتدى المركز الثقافي لبلدية بليمور

منتدى للابداع و الثقافة

المواضيع الأخيرة

» كلمات × كلمات
الإثنين أغسطس 01, 2011 4:53 am من طرف foufou90

» قـوآرب فـي بحــر الـحــيـــــآة
الإثنين أغسطس 01, 2011 4:02 am من طرف foufou90

» برنامج تحويل الفلاش الي رام روعه
الخميس يونيو 16, 2011 7:56 pm من طرف Admin

» برنامج فك باسورد اي ملف مضغوط روعه
الخميس يونيو 16, 2011 7:54 pm من طرف Admin

» هل تعلم أسرار عالم النوم
الخميس يونيو 16, 2011 2:07 pm من طرف Admin

» أروع مــا قيــل فـى الغــزل
الخميس يونيو 16, 2011 1:58 pm من طرف Admin

» عشرون نصيحة للطلاب في الاختبارات
الخميس يونيو 16, 2011 3:00 am من طرف foufou90

» موضوع عن الرياء كلمة عن الرياء
الخميس يونيو 16, 2011 2:55 am من طرف foufou90

» حقائق ستنصدم بأنها مُجرّد خرافات
الخميس يونيو 16, 2011 2:45 am من طرف foufou90

التبادل الاعلاني

احداث منتدى مجاني

    حكايـــة يعـــرب

    شاطر

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 453
    نقاط : 16217
    تاريخ التسجيل : 09/04/2011
    الموقع : بلدية بليمور

    حكايـــة يعـــرب

    مُساهمة  Admin في الأحد مايو 08, 2011 3:46 pm

    حكايـــة يعـــرب




    يعرب رجل أسمر اللون، طيب القلب، مفتول الساعدين جمع بين القوة والحكمة... الفروسية والكرم والشعر والشهامة هي بعض صفاته الكريمة. عاش عهد شبابه الأول في بادية رحبة الأرجاء تمتد فلا يجد الطرف لها نهاية، إلا حيث يخيل للرائي أن السماء انحنت حناناً وشوقاً لتعانق الآفاق وتبثها الصفاء والألق.

    عاش يعرب فترة طويلة يرعى الغنم والإبل، يجوب أرض بلاده الواسعة طلباً للماء والعشب، يرافقه السيف والرمح والرباب. يقاتل حين يمسه الضيم ويقاتل حين يمسه الجوع ويغني حنيناً إلى الأماكن التي أمضى فيها بعض الوقت وألفها أو كانت لـه فيها ذكريات جميلة.

    كان يحل بأطراف البادية فتزدهر المدن وتعلو السدود وتسمق الأبراج وتُعلّقُ الحدائق وتصير إحدى عجائب الدنيا. ولم تكن أمجاده في البادية أقل شأناً من أمجاده عند أطرافها. وعلى الرغم من امتداد البادية لم ينعزل فيها عن بقية أرجاء العالم.

    لقد أطمع موقع أرض يعرب الهام وغناها الفائق الكثيرين من الأعداء بها فحاربوه حروباً كثيرة. كانت قوى يعرب موزعة بين أرجاء البادية وربوع أطرافها... فما أن يمسه الأذى حتى يجمع تلك القوى فتصير باتحادها قوة خارقة تدحر الأعداء والطامعين وترد كيدهم إلى نحورهم.

    وأدرك الأعداء سر قوة يعرب فعملوا على تقطيع أوصال أرضه وإقامة الأسوار المنيعة بين أقطارها. وكانوا في كل معركة يشنونها ضده يظنون أنهم قضوا عليه القضاء المبرم. ولكنهم كانوا في كل مرة يصابون بخيبة الظن. فما كانت كل قواهم الشريرة تقدر على القضاء عليه. فقد ضربت جذور يعرب الفتية عميقاً في تربة بلاده وكانت هجمات الأعداء عليه مثل هجمات الرياح التي تهز الشجرة القوية لتقتلعها فتضرب جذورها عميقاً في الأرض وتزداد رسوخاً.

    جاءت إحدى الساحرات إلى أعداء يعرب وأخبرتهم أنهم لن يستطيعوا القضاء عليه ما لم يعرفوا سر قوته الحقيقي والتمكن من ضربه.

    وسألها الأعداء:

    ـ وما سر قوته الخارقة؟

    قالت الساحرة:

    ـ سر قوته الخارقة هو قلبه الكبير النبيل. أنتم تقطعون بعض الجذور التي تربطه بأرضه فيدفع قلبه الدم النقي الحي فتنبعث آلاف الجذور.

    سألها الأعداء:

    ـ وماذا نفعل كي نقضي على ذلك القلب؟ وأين أخفاه يعرب؟

    قالت الساحرة:

    ـ تقول الكتب القديمة إن الفتى يعربا قد أحب فتاة اسمها دمشق فأهداها قلبه الكبير وأطلق اسم تلك الحبيبة على مدينة مجيدة.

    قال أحد شيوخ الأعداء:

    ـ إذاً، أنت تظنين أن قلبه الكبير الذي يمد جذوره بالدم الحي موجود في دمشق؟

    قالت الساحرة:

    ـ ليس الأمر مجرد ظن بل هو حقيقة ظاهرة. إن أحداث التاريخ تشير كلها إلى هذه الحقيقة. ألم تر أن دمشق كانت دائماً المشعل الهادي إلى سبل الخلاص من الأعداء والنداء الداعي إلى جمع الشمل والنهوض كفاحاً في وجه الغاصبين.

    صرخ أحد فتيان الأعداء بالساحرة:

    ـ ويحك يا هذه! تبدين شديدة الحماسة لدمشق! فهل نسيت المحن التي لحقت بهذه المدينة التي لا تختلف عن بقية مدن العالم بشيء.

    قالت الساحرة:

    ـ تبدو قليل الحكمة أيّها الفتى. صحيح أن مصائب كثيرة قد لحقت بدمشق. ولو نزل بعض تلك المصائب على جبل لتضعضع وانهار.. لكن دمشق ما تزال شامخة صامدة. فبماذا تفسر شموخها وصمودها؟

    صمت الفتى وراح يفكر وقد شعر بشيء من الخجل. قال أحد الشيوخ بعد أن فكر طويلاً:

    ـ نحن مدينون لك بالشكر الجزيل أيتها الساحرة. لقد أرشدتنا إلى مقتل عدونا.

    قالت الساحرة:

    ـ لقد أرشدتكم إلى مكان القلب من بلاد يعرب وأخشى أن أكون قد أرشدتكم إلى حتفكم وهلاككم.

    ثم تنهدت الساحرة وأردفت:

    ـ قلب يعرب في دمشق حبيبته تحنو عليه قلوب أرق من ماء بردى وتحميه صدور أصلب من صخور قاسيون الخالد. وكم من رؤوس حاقدة قد تفلعت على تلك الصدور وتلك الصخور. فحذار! حذار!

    M C M











    حلـــم مزعـــج




    الريح تعول بين الصخور البيض دافعة الضباب في الوادي فيبدو مثل نهر صاخب من السحب يسير من الأسفل إلى الأعلى. السماء ملبدة بغيوم داكنة. يشقها شريط من البرق المتعرج فكأنه صدوع خاطفة تزعزع جبال الغيم، ثم يدوي الرعد هادراً فترتعش الغابة وتخشع. ينهمر المطر غزيراً فتلمع أغصان البلوط والبطم العارية وكأنها حوريات رشيقات يغتسلن ويرتعشن في صخب. أما أشجار السنديان فتقف صامدة بأوراقها الخضر وكأنها تقول للعاصفة: "أنا باقية هنا، وأنت عابرة. سلي هذه الصخور كم رأينا من عواصف وكم واجهنا من رياح. "وتصفق أجفان الغار بأكفها الخضر الصغار مسرورة بأغنيات الريح والمطر.

    كان الحطاب الفقير قد جمع بعض الأغصان اليابسة ولاذ بأحد الكهوف حين رأى نذر العاصفة. أشعل ناراً، وحين أحس بالطمأنينة راح يفكر: "في الحكايات يجد الكثيرون من الفقراء كنوزاً مدفونة في الكهوف ويصبحون أغنياء. ليتني أجد كنزاً فأصبح غنياً وأرتاح من الجوع والبرد، والعمل الشاق. ليتني أجده اليوم. ولكن كيف سأتصرف لو وجدته؟ سأشتري بيتاً كبيراً قبل أن أقوم بأي عمل آخر. إن كوخنا يكاد ينهار فوقنا، ثم سأشتري أحسن الأطعمة لأولادي، وسأشتري لهم ولزوجي أجمل الملابس.

    أحس بالدفء فعدل جلسته، ثم شعر بالنعاس يداعب أجفانه فأغمض عينيه. ارتاح قليلاً وفتحهما.. رأى السيل يتدفق إلى عمق الكهف وينحدر هادراً في هاوية عميقة جداً. كانت المياه تحفر في جنبات الكهف، فرأى الحطاب الفقير طرف صندوق قديم، كالذي تصفه الحكايات الشعبية، يظهر قرب الصخرة التي في طرف الكهف الآخر. دلك عينيه بيديه، وأمعن النظر فزادت رؤيته وضوحاً. أذهلته المفاجأة فظل كالمشدوه فترة. ولكنه استعاد وعيه وقفز إلى حيث الصندوق، أمسكه بيديه القويتين وشده بقوة. سحبه إلى قرب النار ورفع الغطاء، فشع من الصندوق بريق يبهر النظر. كانت الجواهر والأحجار الثمينة والحلي الذهبية أكثر مما يستطيع خيال الأغنياء تصوره. انحنى الحطاب فوق الصندوق وشده إلى صدره بقوة.

    ظل منحنياً فوقه زمناً، ثم فطن إلى أن الزمن يمضي سريعاً، وأن عليه أن يقوم بعمل ما. هل يترك الصندوق في الكهف أم يأخذه إلى بيته؟ ألا يأتي أحد ويأخذه إذا تركه؟ ألن يراه الناس ينقله إلى بيته؟ ألن تراه زوجه وأولاده؟ هل يستطيعون كتمان السر؟ ألن تخبر زوجه أهلها وأهله، وكلهم فقراء مثله؟ ألن يطلبوا منه العون والمساعدة؟ أيتركهم يعانون أم يقاسمهم كنزه؟

    وتضاربت الأفكار في رأسه حتى شعر أنه لم يعد قادراً على فهم أية فكرة. وراحت الصور تمر بخياله وهي على أشد ما تكون من التشابك والاختلاط.

    عاد ينظر إلى الصندوق. كانت في إحدى زواياه قطعة من الحرير الأحمر، مصرورة على شيء ما. مد يده وتناول الصرة، ثم فكها فوجد داخلها قطعة من الجلد، كتب عليها بحروف مذهبة: "كنزت هذا الكنز، وها أناذا على فراش الموت. بقيت طوال عمري أفكر في مسألة لم أجد لها جواباً مقنعاً: هل أُنفقه فيما ينفعني وينفع الناس أم أبقيه لزمن الشدة، فأنجو به بنفسي وأبعد عني أنياب الفقر؟ لقد أخفيته في هذا الكهف، وعشت حياتي فقيراً، لأنني كنت أخاف الفقر. وأنت يا من وجدت كنزي، ما أنت فاعل به؟ هل ستنفقه الآن أم ستتركه لأيام الشدة؟ لقد متعت نظري بأحجاره الثمينة زمناً طويلاً، وها أنا ذا أفتح عينيّ فلا أرى أمامي سوى شبح الموت... فلتكن حياتي وموتي موعظة لك."

    رفع الحطاب عينيه عن قطعة الجلد، وخاطب نفسه: "ولكنه لم يقل لي كيف ينبغي أن أتصرف.. هل يريدني أن أنفق الكنز فيما ينفعني وينفع الناس؟ ولكن، ماذا سيكون مصيري حين ينفد الكنز"

    سقطت قطرة ماء من سقف الكهف على جبين الحطاب فأجفل. كانت شعل النار تلوي أعناقها وتنطفئ الواحدة بعد الأخرى. دلك الحطاب جبينه بيده وتمتم حين لم يجد الصندوق أمامه:

    ـ أواه، كان حلماً مزعجاً حقاً.

    ثم نهض وخرج من الكهف. كانت العاصفة قد مضت، وكادت السماء تصفو تماماً. نظر إلى شجرة يابسة وقال:

    ـ سأحصل من حطبك على ما أطعم به أسرتي غداً.

    ثم شرع يحتطب بنشاط وعزم.





    ÐÐÐ











    عملــية بســــيطة




    كانت ميسون في الخامسة عشرة من عمرها يوم وقعت وأصيب أنفها الجميل إصابة شوهته قليلاً. أراد والدها أن يأخذها إلى المستشفى ليجري لها الأطباء عملية تجميل فرفضت. ألح والدها، وأصرت على الرفض. ظن والدها أنها تخشى خطر العملية، فراح يوضح لها أنها عملية في منتهى البساطة، وأن أنفها سوف يعود بعد إجرائها إلى جماله السابق، وظلت مصرة على الرفض.

    أكملت مرحلة الدراسة الثانوية، وانتسبت إلى الجامعة. كانت تقوم بواجباتها المنزلية على أحسن وجه، وظلت بين المتفوقين في الدراسة، وما كانت تبخل على أحد من زملائها أو زميلاتها بأية مساعدة ممكنة، ولم يعرف أحد عنها سوى الصدق والاستقامة حتى صارت مضرب المثل بالعطف على الضعفاء وبعزة النفس والإباء أمام المغرورين والمتكبرين.

    وكان زميل دراستها الجامعية "علاء" أحد الشبان العصاميين الجادين، وأحد الذين ينافسونها على المراتب الأولى في المواد الدراسية كلها، وكان هو الآخر كريم الخصال وشهماً عزيز النفس.

    كانا يتبادلان التحية حين يلتقيان، وكثيراً ما اتفقت وجهتا نظرهما بشأن المسائل التي تناقش في الوسط الجامعي. وحين أنهيا امتحانات السنة الجامعية الأخيرة جاء إليها علاء باسماً وقال:

    ـ الآن صار في وسعي أن أفاتحك في أمر حاولت أن أكتمه طوال سنوات دراستنا.

    قالت ميسون: ـ ما هو هذا الأمر يا علاء؟

    قال علاء: ـ أنا شديد الإعجاب بك يا ميسون، وأرغب في أن لا تفرقنا الأيام إلاّ بعد عمر طويل.

    أطرقت ميسون حياء، ثم أشارت إلى أنفها.

    عرف علاء قصدها، فابتسم وقال:

    ـ ومن يضيع كنزاً ثميناً من الجمال والفضيلة والذكاء لأن الصدأ أصاب طرفاً يسيراً من غطاء الصندوق الذي فيه الكنز؟

    رفعت ميسون رأسها وقالت بتواضعها الجم:

    ـ أشكرك يا علاء على هذا الثناء الذي لا أستحقه..

    ثم أطرقت وقد احمرت وجنتاها.

    قال علاء: ـ بل أنت تستحقين أكثر مما أسعفني لساني بقوله.. أنت أثمن من أي كنز مادي يا ميسون.. وأنا راغب في طلب يدك.

    ابتسمت ميسون، وقالت:

    ـ وهل تطلبها مني أم من أهلي؟

    صفق علاء ابتهاجاً، وقال:

    ـ اليوم مساء سيأتي والداي لطلب يدك من والديك. كنت طوال سنوات الدراسة أحدثهما عنك حتى صارا يعرفانك كما أعرفك.

    وتمت الخطوبة، ثم عقد قرانهما.. وبعد ثلاثة أيام من زواجهما قالت ميسون:

    ـ سأذهب إلى المستشفى لإجراء عملية تجميل لأنفي.. فأنا ما عدت أطيق هذا الأنف المشوه.

    قال علاء:

    ـ هل تريدين إجراءها من أجلي يا ميسون؟ ألا تعلمين أنك الأجمل في نظري؟

    قالت ميسون:

    ـ سأجريها من أجلي ومن أجلك يا علاء. لقد رفضت بعناد أن تُجرى لي العملية لأنني كنت أنتظر الرجل الحكيم الذي يهمه الجوهر ولا يأبه بالقشور، ولقد وجدته.. فلماذا أمانع بعد ذلك في أن تُجرى لي مثل هذه العملية البسيطة؟





    O–N














    حكاية الملك الذي احتكر الهواء


    "إنهم يحاصرون المخيمات والمدن والقرى ويمنعون عنها الماء والغذاء والدواء"



    عاش في قديم الزمان ملك من قساة الملوك لا يعرف قلبه رحمة ولا شفقة. كان طماعاً جداً تزداد ثرواته وأملاكه فيزداد طمعاً على طمع ويسفك المزيد والمزيد من دماء الأبرياء فيزداد طغياناً وقسوة وجبروتاً.

    جعل أرض مملكته بكاملها ملكاً شخصياً لـه فصار الفلاحون والعاملون في الأرض عبيداً لـه يحرثون ويزرعون ويحصدون وتذهب الخيرات التي أنبتتها الأرض بعرقهم وجهدهم إلى مستودعاته. وكان حراسه يوزعون على الناس يوماً بيوم ما يردّ عنهم خطر الموت جوعاً.

    كان الفقراء الذين لا يعرفون الشبع يذهبون إلى الغابة ليسدوا جوعهم بثمارها البرية ونباتها. فأخبر الجواسيس الملك بذلك فأمر بوضع حراس يحرسون الغابات ويمنعون الناس من الدخول إليها إلا بأمر خاص. وأصدر أمراً بمصادرة كل ما يؤكل في الغابة من عشب وثمر وحيوانات وجعلها ملكاً خاصاً به يعاقب بالموت من يعتدي عليه.. فأملاك الملك الخاصة مقدسة لا يجوز المساس بها.

    كان رجال الملك من الجلادين الطغاة فنفذوا أوامره بقسوة فزاد بؤس الناس وعذابهم فاتجهوا إلى الينابيع العذبة يملؤون بمائها بطونهم الجائعة. أرسل أحد جواسيس الملك تقريراً إلى الملك يقول فيه: "إن الناس يشربون الكثير من الماء يا صاحب الجلالة وهذا يثقل بطونهم ويجعلهم كسالى في العمل وفي ذلك ما فيه من خسارة تلحق بأموال جلالتكم."

    غضب الملك غضباً عارماً وأرسل أقسى جنوده ليبعدوا الناس عن الينابيع. وانهالت السياط والهراوات على ظهور الناس شيوخاً ونساء ورجالاً وأطفالاً فلاذوا بالفرار باكين مولولين.

    وأصدر الملك أمراً جاء فيه: "بأمر جلالة الملك المعظم! تصادر جميع الينابيع والآبار والأنهار والبحيرات وما يتجمع في الحفر والبرك وعلى الأسطحة من مياه الأمطار وتصبح ملكية خاصة بصاحب الجلالة يوزع منها رجاله ما يرونه ضرورياً على الذين يعتبرونهم بحاجة ماسة إليه! ينفذ الأمر فوراً!".

    وطاف الجنود على بيوت الرعية وصادروا الجرار والخوابي والأواني الكبيرة كي لا يخزن فيها الناس بعض الماء خلسة. عطش الناس وتفشت بينهم الأمراض والأوبئة بسبب ازدياد القذارة وصاروا يموتون بالعشرات.

    وذات يوم أتى إلى الملك أحد مستشاريه وهمس في أذنه: "المعذرة يا صاحب الجلالة! يبدو أن رعيتك قد تعودوا حياة الإسراف والتبذير. إنهم يستنشقون الكثير من الهواء وينفثون فيه الكثير من أمراضهم وأوبئتهم..".

    صاح الملك متجهماً:

    ـ ماذا تريد أن تقول أيّها المستشار؟

    ـ أخشى أن ينفد الهواء أو يفسد يا مولاي فلا يعود لدينا ما نتنفسه!

    ـ فهمت، فهمت!



    وأصدر الملك أمراً بمصادرة الهواء واحتكاره.

    واقترح الخبراء المختصون أن توضع في أقبية القصر وفي غرفه وصالاته الزائدة أوعية مطاطية كتيمة تتصل بأجهزة خاصة تشفط الهواء من الأجواء وتضغطه فيها.

    وصنع الناس الأوعية المطاطية المطلوبة وجهزت بها الأقبية والغرف والصالات وراحت الأجهزة الشافطة تعمل وتعمل والأوعية المطاطية تنتفخ وتنتفخ، وزاد شفط الهواء وزاد ضغطه على جدران أقبية القصر وغرفه وصالاته حتى لم تعد تحتمل فانفجر القصر وتطايرت حجارته.

    ومنذ ذلك الحين والشعوب تتناقل من جيل إلى جيل الحكمة القائلة:

    كثرة الضغط تولد الانفجار.

    +++












    الغراب العاشق
    وأحزان الحمامة البيضاء


    « إلى سيدة الأحزان الجليلة »



    كان غراباً هرماً.. لا سِربَ لـه ولا رفيق. حط على أحد أغصان السنديانة الضخمة... ثم أغفى متعباً مرهقاً بالهموم.

    أفاق مع إشراقة الشمس على هديلها الرتيب الحزين.

    تأوه ملتاعاً ودمعت عيناه. كانت وحيدة تنادي رفيقها الذي ذهب إلى حيث لا يرجع أحد.

    تملّى جمالها البهيّ فارتعش... صار قلبه ألطف من فراشة تعانق برعماً نديانَ.

    سمعت تأوهاته فالتفتتْ نحوه حانية...

    ناجاها بلطف لم تعهد مثله في غراب فحكت لـه شيئاً من حكاية حزنها... حاول مواساتها والتقرب منها فنفرت وذكرته بما بينهما من فرق...

    لوى عنقه وبكى.

    حين لامست دموعه التراب بزغت أزهار ساحرة.

    هتفت إحدى حوريات الغاب:

    -ما أجمل أزهار دموع الغراب!

    وحملت النسمات عبقاً مسكراً..

    تأوه الغراب فصدحت جوقة البلابل بأغنية مدهشة.

    ترجّع في الغابة صدى موجع: إنه رجع حنين الغراب العاشق.

    هتف الغراب بصوته الغليظ وقد رأى وجهه المنفر في مرآة الغدير:

    -إلهي! إلهي! لماذا خلقتني غراباً؟

    أدركت الحمامة الحزينة أنها لن تجد، بعد الهديلِ رفيقها، من يحبها مثل هذا الحب.

    وتألمت...

    أدهشه أن يوجد في العالم قلب يتسع لهذا الألم كله...

    لكن حبها الهديل([2]) ظل أقوى.

    وما زالت تهدل فتخفق القلوب خاشعة... وما زال الغراب العاشق يذرف الدمع فتتفتح الأزهار، ويتأوه فتشدو البلابل.

    وسيبقيان قريبين متباعدين إلى الأبد...

    هو لا يقوى على سلوانها... وهي لا تقوى على حبه.





    ÿZÿ











    الحصان المسحور
    (حكاية قديمة)




    يحكى أنه عاش في إحدى مدن الشرق رجل ثريٌّ مولع بالخيولِ ولعاً لا حدود له... كان الناس يعرضون عليه خيولهم فإذا أعجبه حصان اشتراه وألحقه بما عنده... وذات يوم جاءه من أخبره بوجود حصان لا مثيل لجماله في إحدى القرى النائية. ذهب الغني وأحد خدمه إلى تلك القرية... أدهشه جمال الحصان فاشتراه وعاد به.



    رُبط الحصان في حديقة المنزل إلى شجرة باسقة...

    جلس الثري إلى مائدة أُعدت لـه قربه وراح يتأمله...

    حين لم يبق أحد من الخدم حوله رأى الحصان يصغر ويصغر ثم رآه يدخل في مزراب صغير تنسكب منه المياه في بركة صافية... كاد صوابه يطير فصاح بأعلى صوته:

    -الحصان، الحصان!

    أسرع الخدم إليه وسأله أحدهم:

    -ماذا جرى للحصان يا سيدي؟

    قال الغني:

    -لقد صغر وصغر ثم دخل في المزراب هناك...

    قال الخادم وهو يشير إلى الحصان:

    -المعذرة يا سيدي، الحصان موجود حيث ربطناه.

    صاح الثريُّ:

    -لقد رأيته بعينيَّ!

    قال الخادم:

    -وها أنت ذا تراه بعينيك في مكانه... يبدو أنك متعب يا سيدي...

    صاح الثريُّ:

    -لستُ متعباً، وقد رأيته وأنا بكامل قواي، هيا انصرفوا...

    ذهب الخدم إلى أعمالهم وجلس الثري إلى المائدة ونظر إلى الحصان... كانت عينا الحصان واسعتين وجميلتين... ثم ها هو ذا يصغر ويصغر ويدخل في المزراب... دلك الغني عينيه ورش بعض الماء على وجهه... وحين لم يتغير شيء حوله صاح بصوت غريب:

    -الحصان، الحصان!

    وأسرع الخدم إليه... وتكرر المشهد مراراً... وتكرر الجدال، وخرجت زوجته من القصر ووقفت إلى جانب الخدم محاولة إقناعه بأن ما يقولـه مخالف للمنطق فقال لها:

    - أعرف أنه مخالف لكل منطق، لكنني رأيته...

    حين قالت له: أنت متعب، وعليك أن ترتاح، ضربها وضرب من وصلت يده إليه من الخدم... وكان على زوجته أن تستدعي الأطباء خوفاً عليه... وقرر الأطباء أنه جُن فأخذوه وهو يقاومهم إلى مشفى المجانين. قيدوا قدميه وربطوا يديه وتركوه على أرض غرفة قذرة.

    رآه أحد نزلاء المشفى فحمل كوب ماء إليه وسقاه ثم جلس قربه وواساه ثم سأله عن سبب إحضارهم لـه إلى هذا المكان المخيف فحكى لـه حكاية الحصان فضحك المجنون حتى كاد ينقلب على قفاه ثم قال له:

    -أنا، على جنوني، لا أفعل ما فعلت...

    سأله الثري:

    -كيف؟

    قال المجنون:

    -ألم تر ما رأيتَ بعينيك، ألم يقتنع عقلك بما رأيت؟

    قال الثريُّ:

    -أجل....

    قال المجنون:

    -أتتحمل هذا الأذى كله في سبيل أن تقنع الآخرين بصواب ما رأيتَ، وهو مخالف لمنطقهم... المعذرة، أنتَ أكثر جنوناً مني..

    ابتسم المجنون لـه برفق وابتعد عنه وظل الثري في مكانه حتى الصباح..

    دخل كبير أطباء المشفى غرفة الثريّ وسلم عليه بإشفاق فسأله الثريُّ مستغرباً:

    -من جاء بي إلى هنا يا كبير الأطباء، ولماذا؟

    ارتبك كبير الأطباء وغمغم:

    -أتوا بك إلى هنا... بسبب، بسبب الحصان..

    صاح الثري:

    -الحصان، ماذا أصاب الحصان؟

    قال كبير الأطباء:

    -البارحة كنت تؤكد أنه دخل في المزراب؟

    قال الثري:

    -هل هذا معقول؟ أأنا أقول هذا؟ أنت تمزح أيُّها الطبيب.

    صاح كبير الأطباء مبتهجاً:

    -الحمد لله على سلامتك، أيّها السيد... هيا أعيدوه إلى البيت على الفور...

    وعاد الثري إلى المنزل... وأعدوا لـه مائدة في الحديقة قرب الحصان والمزراب... وحين ذهب الآخرون نظر إليه الحصان ثم صغر وصغر واختفى في المزراب...

    نهض الثري واقترب من المزراب على رؤوس أصابع قدميه ثم همس:

    -أخرج، أخرج، لقد رأيتك، وأخاف أن أرفع صوتي فيسمعوني...



    ®®®












    الربيع
    وأحزان العصفورة الجميلة




    جاء الربيع إلى الغابة حافياً، بعثت أنفاسه الحارة الدفء في الأغصان والجذور فتمطت وشرعت تعمل. حطَّ عصفور ملوّن الجناحين على شجرة الزيزفون وزقزق فاستيقظت الزيزفونة وأزهرت. ملأ العطر فضاء الغابة.. استنشقت الكائنات العطر الزكي وانطلقت في الدروب مبتهجة. زارت الطيور أعشاش الصيف الماضي وبدأت تعمل على ترميمها أو تبني أعشاشاً جديدة.

    ومضى الربيع إلى الحقول المجاورة فشقَّ العشب الترابَ النديَ ثم هز رؤوسه الكثيرةَ الخضراء. مرت النسمات بأصابعها الطرية على شعر العشب الأخضر، ماج الحقل خضرةً وطراوةً، طارت قبرة من بين العشب، وطارت أخرى، وأخرى، وامتلأ جو المرج بالأغنيات الطروب وثغت الأغنام في المراعي القريبة.

    حطَّتْ قبرة طروب على جفنة شوك وسألتها بدالَّة الصديقِ على صديقه: هل تسمحين لي أن أبني عشاً قريباً من جذعك الأملس أيتها الجفنة الشجاعة؟

    هزت النسمات فروع جفنة الشوك فهتفت القبرة:

    -أشكرك يا صديقتي على كرمكِ ونبلك وحسن ضيافتك..

    ثم أطلقت نفير العمل.

    حطت عصفورة خضراء الجناحين على غصن مزهر وغردت تغريداً لا مثيل لعذوبته... هتف الغراب طرباً: ما أعذب صوتك يا أختاه! غردي، غردي، أيتها الجميلة بين الطيور. لقد منحتك الحياة جمال المنظر وعذوبة الصوت، فليكن تغريدك صلاة شكر للحياة على جميل عطاياها.

    نشرت العصفورة ريش جناحيها الجميلين تحية للغراب وأطلقت تغريدة عذبة.

    نظر الغراب إليها مبتهجاً ثم راح يقفز فوق الأعشاب حبوراً.

    في تلك اللحظات الرائعات قذف صبي بارع في الصيد شبكته على العصفورة المغردة فاضطربت المسكينة وانقطعت الأغنية الساحرة.

    طار الغراب مذعوراً وراح ينعب باكياً مصير العصفورة الجميلة.

    قالت البومة الحكيمة وهي ترفرف بجناحيها الملونين:

    -ما أقبح أن يصير الجمال مصدر عذاب وشقاء لصاحبه!

    أَنَّتِ العصفورة الجميلة والدموع في عينيها:

    -قدري أن أكون جميلة وأن أتعذب.

    لم يفهم الصبي ما قالته الطيور، فوضع العصفورة في قفص وقفِل راجعاً إلى بيته مسروراً بصيده الثمين.



    óÿó













    قبل فوات الأوان




    كيف حدث ما حدث؟ إنه الآن جالس قرب فراش أمه العجوز المريضة، والناس يدخلون ويخرجون فلا يعرفه أحد، ولا يعرف أحداً، أمه وحدها هي التي تنظر إليه بحنان وحب، وهي وحدها التي عرفته وأبدت المزيد من الحرص عليه... وشرع يفكر: ما أعظم الحكمة التي تقول:

    "الدنيا أم"!

    إن ذهنه مشوش جداً. يحاول أن يتذكر ما جرى فيخيل إليه أنه كان في حلم مزعج... الواقع الوحيد الذي يحسه الآن بكل كيانه هو أنه جالس قرب أمه المريضة. أما الأيام التي مضت فأمرها مختلف.

    يبدو أنها كانت واقعاً لكنها لم تعد كذلك.. هي الآن ذكرى تطلع من ضباب كثيف ثم تتلاشى في ضباب شفيف يتكاثف ويتكاثف إلى أن يصير جداراً قاتماً لا يشف عن شيء...

    تدخل امرأة مسنة من الجارات وتجلس قرب فراش الأم، تكلمها بحب وود ثم تلتفت إليه، وهو الجالس غريباً في بيته، وتسأله: كيف حالك يا بني؟ ألم تعرفني؟ لقد غيرتك الأيام كما غيرتنا جميعاً.. أنا جارتكم أم ماجد...

    وتوهجت ذاكرته، تلاشى الضباب الكثيف وبزغت شمس أخرى.. أجل.. كان لـه أصدقاء وكان ماجد منهم، وكانت لـه مودات وعداوات.. مرت في خاطره ذكرى أيام الطفولة كسحابة ملونة وشفافة.. لقد هربت منه الطفولة، ولا يعرف كيف هربت... يتذكر الآن أنه وجد نفسه شاباً جم النشاط، جم الطموح، كثير الأحلام، وكانت الرياضة البدنية هوايته المفضلة، وكان تحصيل العلم والمعرفة شغله الشاغل.

    وصار محط أنظار أهل المدينة.. الناس ينظرون إليه باحترام وتقدير، ويتوسمون فيه الخير...

    وكثرت معرفته وظل متواضعاً.. جاب السهول والغابات المحيطة بالمدينة، صعد القمم العالية، وتأمل الصخور الضخمة، وسمع حفيف أوراق الغار والبطم واكتسب فضيلة التواضع والصمت. قرأ تاريخ البشر فتجسد أمام ناظريه ما لاقت البشرية من ويلات وحروب وشرور كثيرة...

    كان مكان جلوسه المفضل كهف واسع صعب المرتقى.. لقد صنع سلماً من الحبال يرقى عليه إلى ذلك الكهف الذي يقع فوق صخرة بيضاء رابضة فوق كتف الوادي الذي تتراكض الجداول نحوه لتشكل نهراً يتدفق بمزيد من القوة، ملتوياً بين التلال حتى يصل إلى البحر.

    راح يجلس هناك ساعات وساعات.. يقرأ ويسجل ما يخطر لـه من أفكار ورؤى.. صار يؤلمه ما يراه في الناس من عيوب، وكبرت في عينيه شرور العالم بعد أن صار يقارنها بسلام الطبيعة ووداعتها.

    وقرر أن يعتزل الناس كي يتاح لـه البحث عن وسيلة يخلص بها البشر من الشر والفساد، وتساعدهم على إقامة مجتمع إنساني يسوده العدل والمحبة والسلام، مجتمع ينمو فيه ما هو جميل ونافع ويندثر القبح والأذى.

    وشرع يعد العدة لتنفيذ قراره. راح يعمل بجد وصبر حتى صار الكهف صالحاً للإقامة صيفاً وشتاءً. جر إليه الماء في ساقية من نبع جبلي، وأعد أماكن للمؤنة والنوم والعمل. أعد رفوفاً للكتب وغيرها من اللوازم ومضى إلى أمه وأطلعها على قراره...

    قالت الأم:

    -في الإنسان كثير من الشر يا بني.. هذا صحيح، لكن الإنسان ليس شراً كله. أنت لا ترى سوى الجانب المظلم منه.. إنّ في الناس كثيراً من الخير والرحمة ولولا الخير الذي فيهم لما بقيت منهم بقية.

    قال لها:



    -أنا لا أكرههم يا أماه! أنا أريد لهم المزيد من الخير... لكنني أكره أن أراهم يزحفون على الأرض زحفاً، أريدهم أن يحلقوا عالياً جداً يا أماه، أن يتأملوا كوكب الأرض الجميل بعيداً عن صخب المطامع والأهواء..

    قالت الأم:

    -الزاحف على الأرض والمحلق عالياً جداً فوقها لا يستطيعان رؤيتها جيداً.. وإذا كنت قد كرهت زحف الزاحفين فلا تزحف بل سر عليها واهبط إلى أوديتها واصعد إلى ذراها ولا تنفصل عن الناس وعنها. إنَّ عمق الوادي قد يظهر المزيد من جلال الجبل، وكذلك حال النظر من أعلى الجبل إلى الوادي. فابق معنا يا بني.. واعمل الخير للناس بين الناس لا بعيداً عنهم. وليكن شعارك: مع الناس ومن أجلهم.

    قال منفعلاً:

    -حسبتك جناحاً أطير به عالياً وهل أنا ذا أراك قيداً يمنعني من الطيران.. أريد أجنحة يا أمي، لا أريد قيوداً.

    نظرت أمه إلى عينيه فرأت فيهما الحزم فقالت بأسى:

    -ليس الكائن جناحين وحسب يا بني!

    ودخلت بيتها حزينة... ومضى إلى الكهف غير متردد.

    كان شاباً شجاعاً ومؤمناً بقضيته فشرع يعمل بجد. يقرأ الكتب والقوانين.. راح يرسم الخطط المثلى مسترجعاً في ذاكرته أفضل النظم من دنيوية وما أتت به الشرائع الدينية من سماوية ووثنية. ومرت الأيام والشهور.



    كان رفاق شبابه يأتون في الأماسي إلى قاعدةِ الصخرةِ ويليحون لـه بمناديلهم... وكان يرد على تلويحهم أحياناً ثم صار يتجاهل تحياتهم فنقص عدد الذين يأتون ونقص حتى لم يعد يأتي أحد.

    ونسيه الجميع.. وانهمك في عمله حتى نسي الجميع. مر الصيف والخريف وجاء الشتاء بلياليه الطوال الباردة، وأقبل الربيع وهو منكب على عمله، يبني على الورق مدناً وينشئ مزارع نظيفة، ويقيم المصانع العملاقة الرائعة ويطيع القوانين ثم يعيد النظر في ما أنشأ وأقام... وأعادت الفصول دورتها وتوالت الأعوام. وكان قد أقام حقلاً صغيراً قرب الكهف، وربى بعض الدواجن وزرع في أرجاء الكهف بعض الخضار فكفاه ذلك وسد حاجاته المتواضعة.. وشغله العمل الدائب عن كل ما عداه فلم يفطن إلى أن تراكم الثلوج شتاء، وانهمار الأمطار ربيعاً، وحرارة الشمس صيفاً، وجنون الرياح خريفاً قد فعلت فعلها في الحبال التي صنع منها السلم الذي صعد عليه إلى الكهف فاهترأت وتقطعت كما وهت ثم انقطعت الحبال العاطفية والروحية التي كانت تربطه بالأهل والأقرباء والجيران والأصدقاء..

    وأفاق ذات صباح على هدير صاخب فنهض مذعوراً ليجد طائرة مروحية تحط على الفسحة التي أمام الكهف، ثم رأى رجلين يخرجان منها ويتجهان نحوه. حياه الرجلان باحترام وأخبراه أن أمه مريضة وتريد أن تراه.

    ارتعد كمن يفيق من كابوس.. لقد نسي أن لـه أماً وأن لـه مدينة.

    وعاد مع الرجلين فوجد المدينة قد تغيرت، ووجد الناس قد تغيروا.. لقد هرم بيتهم كثيراً وهرمت أمه المسكينة.. وحين نظر إلى المرآة رأى الشيب يغزو شعره.

    وعلى الرغم من ذلك لم يقنط بل قرر أن يستدرك ما فات، وأن يبدأ من جديد، وقرر أن يكون كالنسر يعود إلى الأرض بعد تحليق فيفيد الناس بما اكتسب ويستمد القوة منهم.





    [b]

      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة أغسطس 17, 2018 1:11 am