منتدى المركز الثقافي لبلدية بليمور

منتدى للابداع و الثقافة

المواضيع الأخيرة

» كلمات × كلمات
الإثنين أغسطس 01, 2011 4:53 am من طرف foufou90

» قـوآرب فـي بحــر الـحــيـــــآة
الإثنين أغسطس 01, 2011 4:02 am من طرف foufou90

» برنامج تحويل الفلاش الي رام روعه
الخميس يونيو 16, 2011 7:56 pm من طرف Admin

» برنامج فك باسورد اي ملف مضغوط روعه
الخميس يونيو 16, 2011 7:54 pm من طرف Admin

» هل تعلم أسرار عالم النوم
الخميس يونيو 16, 2011 2:07 pm من طرف Admin

» أروع مــا قيــل فـى الغــزل
الخميس يونيو 16, 2011 1:58 pm من طرف Admin

» عشرون نصيحة للطلاب في الاختبارات
الخميس يونيو 16, 2011 3:00 am من طرف foufou90

» موضوع عن الرياء كلمة عن الرياء
الخميس يونيو 16, 2011 2:55 am من طرف foufou90

» حقائق ستنصدم بأنها مُجرّد خرافات
الخميس يونيو 16, 2011 2:45 am من طرف foufou90

التبادل الاعلاني

احداث منتدى مجاني

    شُمُوسٌ لا تَغيبُ * مسرحيتان للأطفال *

    شاطر

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 453
    نقاط : 14887
    تاريخ التسجيل : 09/04/2011
    الموقع : بلدية بليمور

    شُمُوسٌ لا تَغيبُ * مسرحيتان للأطفال *

    مُساهمة  Admin في الأحد مايو 08, 2011 3:54 pm

    شُمُوسٌ لا تَغيبُ

    * مسرحيتان للأطفال *



    من منشورات اتحاد الكتاب العرب

    دمشق - 2001





    زِرْيَـــاب
    مســرحية للأطفــال
    فــي تســـعة مشــاهد


    1999-2000








    الإهـــــداء




    إلى ولدي راشد

    موسيقياً بارعاً

    وملحناً موهوباً











    * الشخصيات:


    1 ـ زِرياب : الموسيقار البارع، وهو علي بن نافع، أبو الحسن.

    2 ـ جميلة : راقصة وتلميذة.

    3 ـ الغزال : شاعر وسفير الأمير عبد الرحمن بن الحكم.

    4 ـ إبراهيم :

    5 ـ منصور : تلاميذ زرياب يتعلمون أصول العزف والغناء والرقص.

    6 ـ سلمى :

    7 ـ عبادة : رجل غني سمين ـ جاهل.

    8 ـ عفراء : مغنية عبادة ـ سمينة جاهلة تغني دائماً عن الطعام.

    9 ـ حمدونة : بنت زرياب ـ موسيقية ومغنية بارعة.

    10ـ حسان : رسول الأمير عبد الرحمن.

    11ـ ابن ناصح : طبيب ـ وصديق زرياب.

    12ـ مروان : فتىً مريض، ابن أبي العباس.

    13ـ الأمير عبد الرحمن : أمير قرطبة.

    14 ـ أحمد : حاجب المعهد.

    15 ـ مجموعة تلاميذ ـ ذكوراً وإناثاً ـ يتعلمون أصول الموسيقا في معهد زِرْيَاب في الأندلس.



    **





    * إضاءات:


    1 ـ هذه المسرحية موجهة للأطفال الذين أعمارهم مابين
    (10-14) سنة.

    2 ـ تحتفي المسرحية بموسيقار الأندلس العظيم علي بن نافع أبي الحسن، الملقب بـ"زِرْياب".

    والزرياب طائر أسود اللون صوته جميل. ولذلك سموا أبا الحسن "زرياب" لسواد لونه وجمال صوته.

    3 ـ لا توجد معلومات تاريخية عن سنة ولادة "زرياب" لكنه كان أحد موالي الخليفة المهدي العباسي. لكن المؤرخ الموسيقي الدكتور محمود أحمد الحفني يرى أن ولادة زرياب كانت في عام (160هـ ـ 777م)، فعاصر الهادي، ثم هارون الرشيد في بغداد، وعبد الرحمن بن الحكم في الأندلس.

    أما سنة وفاته فهي أيضاً غير معروفة رغم شهرته الفائقة في الأندلس وأوروبا.لكن الدكتور الحفني يقدر وفاته في عام (238هـ ـ 852م)، فيكون قد عاش
    (75) خمسة وسبعين عاماً.

    4 ـ تقوم هذه المسرحية على حادثة خصومة إسحاق الموصلي مع تلميذه زرياب بعد إعجاب الرشيد به. أما خصومة زرياب مع الشاعر الغزال فهي حقيقة معروفة. وما عدا ذلك من أحداث فهو اختراع وتأليف يستند إلى أعمال زرياب في الموسيقا والغناء والآلات والرقص والملابس والمآكل والمشارب.

    5 ـ لا يليق بهذه المسرحية سوى الاحتفالات الموسيقية الغنائية والراقصة. لذلك لابد من أن تكون الاستعراضات ضخمة، خاصة ما يتعلق بملابس المغنين والموسيقيين والراقصين وألوانها، لتعبر عن أجواء الأندلس الرائعة، وعن أساليب التعليم والتدريب في معهد زرياب الموسيقي.

    "المؤلف"

    cc











    المشهد الأول:




    المكان : صالة فسيحة، ذات أعمدة، مفروشة بالطنافس والستائر الجميلة الملونة، إنها معهد زرياب، موسيقار الأندلس، تجري في الصالة هذه جميع تدريبات الغناء والعزف، والرقص لطلاب المعهد.

    الزمان : ضحوة نهار جميل.

    تضج الصالة بالطلاب والطالبات الذين يستعدون للقيام بالتدريب العام، ولذلك نرى راقصين وموسيقيين ومغنّين ـ ذكوراً وإناثاً ـ وهم يلبسون ملابس اختصاصاتِهم ، ويقومون ـ الآن جماعياً بتمارين الليونةِ لأجسادِهم وأصواتِهم، وضبطِ أوتارِ آلاتِهم.

    إننا نسمع الآن كثيراً من الأصواتِ الموسيقيةِ والغنائيةِ المختلطةِ والمتداخلةِ، نرى حركات الراقصينَ المتنوعةَ تملأ أرجاء الصالة.

    في زاوية ما من مقدمة الصالة يجلس زِرياب على أريكة متوسطة الارتفاع، وإلى جانبه عوده الجميل، وأمامه طاولة متوسطة الحجم فوقها دواوينُ شِعرٍ، وأوراقٌ وأقلامٌ، وريشةُ عودٍ من جناحِ نسر.

    إنه ينظر ـ الآن ـ في الأوراق ويتأملها وسط صخب الاستعدادات الفنية.

    رويداً، رويداً تتحول الفوضى إلى انضباط ونظام جميلين، خاصة حين بدأ شاب من الطلاب هو "منصور" بالدوران بين رفاقه ينبههم إلى بدء التدريب العام المنظم.

    وهكذا تسودُ النغمةُ الموسيقيةُ الواحدة لمجموعة الآلات، ويسود الإيقاع الواحد. ويبدأ الراقصون بضبطِ حركاتِ أجسادِهم في حركةٍ واحدةٍ، وتبدأ الحناجرُ الجميلةُ القوية بالغِناءِ الصدَّاحِ.

    وفي أثناءِ كلِّ ذلك كان يَحيى بنُ حكمٍ ـ الملقب بالغزال ـ شاعرُ، وسفيرُ الأميرِ عبدِ الرحمنِ بنِ الحكم، قد تسلل خلسة وراء إحدى الستائر دون أن يُحِسَّ به أحدٌ، ودون إذْنٍ من زرياب ليسمع ويرى من خلفِ الستائرِ ما سوف يقدمه طلاب المعهد.











    المجموعة : (تغني)

    آهِ يا عيني اسْعفيني(1)



    مِنْ سُهادي(2)



    وارحميني مِنْ عذابي



    في بُعادي




    وأَعيديني إلى مهوى فؤادي





    إنَّ قلبي ذابَ في حُبِّ بلادي






    زرياب : (ناهضاً مصفقاً بيديه دلالة على إيقاف التدريبات، يتوقفون جميعاً، وينظرون إليه لسماع ملاحظاتِه).

    بعضُ الغناءِ كانَ حسناً، لكنَّ الرقصَ ما يزالُ يحتاجُ إلى ليونةٍ أفضلَ، وخِفَّةٍ، وأناقةٍ. أَعني، يحتاجُ إلى أنْ يكونَ معبِّراً، خاصةً أنتِ يا جميلة.

    جميلة : (وهي تتقدم نحو أستاذها ـ وبصوت ضعيف) آسفةٌ يا سيِّدي فأنا مريضةٌ!!..

    زرياب : (بدهشة) ماذا، مريضةٌ؟!!.. (يندفع نحوها ملهوفاً ـ يلمس جبينها بيده، فإذا هو شديد الحرارة) حرارَتُكِ مرتفعةٌ، الآن يجبُ أنْ تَذْهَبي إلى الطبيبِ ابنِ ناصحٍ. (يشير بيده إلى أحد الراقصين) مِنْ فَضْلِكَ خُذْها إلى الطبيب، هَيَّا.

    (يتحرك التلميذ وتتبعه جميلةُ وسطَ صمتِ واحترامِ الطلابِ جميعاً. يتابع زرياب كلامه).

    أرجوكُمْ جميعاً أن تحافظوا على صِحَّةِ أبدانِكُمْ وأرواحِكُمْ لأنَّنا معاشِرَ الفنانينَ نتعاملُ دائماً مع الجميلِ والحسنِ. ولكي نغنّيَ ونَعْزِفَ ونرقُصَ بشكلٍ عظيمٍ ورائعِ، لابدَّ وأنْ تكونَ أجسادُنا وأرواحُنا سليمةً، معافاةً مِنْ كلِّ مرضٍ أو علّةٍ. هل يشكو أحدُكُمْ عارِضاً ما، سُعَالاً، ضِيقاً في التَّنفُّسِ، آلاماً في المفاصِل ـ أيَّ شيءٍ؟!!!..

    (صمت قصير، لا أحد يتكلم ـ يتابع زرياب) أُتابعُ ملاحظاتي على تدريبِكُمْ فأقولُ: أَمّا الغناءُ فعلى حيوَّيتِهِ فإنّهُ يحتاجُ إلى عذوبةٍ، ورقَّةٍ، وحنانٍ لِتَظْهَرَ الأشواقُ صادقةً، دافئِةً، طيبةً.

    (يصفق بيديه وكأنه يدعوهم إلى إعادة التدريبات من جديد...)

    أعيدوا من فَضْلِكُمْ هذا التدريبَ..!!



    **











    المشهد الثاني




    (فجأة يظهر من وراء الستارة الشاعر الغزال رافعاً صوته، ساخراً، وبذلك يفاجئ الجميع).





    الغزال : مهلاً يا أبا الحسن!!

    زرياب : (دهشاً) الشاعرُ الغزالُ؟! كيفَ دخلْتَ علينا ومتى؟!

    الغزال : أمَّا كيفَ دخلْتُ فقدْ تسلَّلتُ، وأمَّا متى.. فمنذُ اللحظةِ الأولى لتدريباتِكُمْ.

    زرياب : لماذا؟!

    الغزال : أحببتُ أن أعرفَ كيفَ تُجُرونَ تدريباتِكُمْ على فنونِ الشِّعرِ والغناءِ والعزفِ والرقصِ والتعبيرِ.

    زرياب : إذنْ: فقدْ دخلْتَ مَعْهَدَنا مِنْ دونِ استئذانٍ، وهذا مخالٍفٌ لأوامرِ اللهِ.

    الغزال : اعذُرْني يا أبا الحسنِ على ذلك، لأنَّ رغبتي في المعرفةِ غلبتَنْي.

    زرياب : بهذا عذرناكَ.

    الغزال : غيْرَ أنّي أرى شِعْرَ غنائِكُمْ ضعيفاً، سخيفاً، عامِّياً، وبذلكَ متَّعتُ نفسي بعضَ المِتْعَةِ.

    زرياب : باللحنِ فقط؟!

    الغزال : بلى.. ولكنْ، كأنَّ اللحنَ ليسَ لكَ!!

    زرياب : بلْ هو لي. غيْرَ أنَّ فيهِ بِدْعَةً جديدةً.

    الغزال : (يبتسم بدهاء) خِفَّةُ الوزنِ، وبساطةُ اللغةِ، وقُرْبُها مِنْ لغةِ الناسِ، وتآلفُ نَغَماتِها، وتقارُبُ مخارج الأصواتِ...

    زرياب : أَصَبْتَ أيُها الغزالُ. والشِّعْرُ؟!

    الغزال : (بخبث ومكر) كأنكَ لا تحبُ قُرْطُبَة!!

    زرياب : (دهشاً من الهجوم المفاجئ).. أنا؟!!!

    (يندهش الجميع فتسري همهمات ودمدمات بين الطلاب من كلام الغزال؛ ومن هجومه الجريء على أستاذهم ـ يلتفت الغزال ـ وسط هذه البلبلة ـ إلى الطلاب متابعاً بدهاء وسخرية).

    الغزال :أما كنتمْ تغنّونَ هكذا،(يغني بصوت نشاز مقصود)،وأَعيديني إلى مهوى فؤادي؟!!



    زرياب : (منزعِجاً؛ رافعاً صوته)، ما هكذا كانوا يغنّون يا غزالُ، ثمَّ إنَّ غناءَنا تمجيدٌ للأرضِ التي وُلِدْنا عليها.

    الغزال : (بدهاء) ها هااااا.. قُلْتَها بلسانِكَ!!

    زرياب : ماذا تعني؟!

    الغزال : إنَّكَ تُحِبُّ بغدادَ أكثرَ مِنْ قُرطُبَةَ!!

    زرياب : (مصعوقاً) كلاّ يا غزالُ، كلاّ!!..

    الغزال : (بصوت بارد) بغدادُ يا زريابُ طرَدَتْكَ فقيراً مُعْدَماً تحتَ جُنْحِ الليلِ.

    زرياب : (بصوت مكتوم) بلْ طَرَدَني إسحاقُ الموْصِلِّيُّ.(3) (صمت قصير) أستاذي!!!

    الغزال : لأنكَ غَدَرْتَ بهِ عندَ الخليفةِ هارونَ الرَّشيدِ وَخُنْتَهُ(4)!!!

    زرياب : (غاضباً) لم أفعلْ، لم أفعلْ!!

    (يبدأ الطلاب بمغادرة الصالة إلى الزوايا، بعضهم يختفي خلف الستائرِ، واضح أنهم لا يريدون أن يسمعوا افتراءاتِ الشاعرِ الغزالِ على أستاذهم وربما لكي يُتيحوا له حريةً أفضلَ للدفاع عن نفسه، فيصرخ بهم زرياب....).

    عودوا إلى أماكِنِكُمْ واسمعوا ما أقولُ، فليسَ في حياتي عملٌ يُسِيءُ إلى أخلاقي. (يبدؤون في العودة إلى أماكنهم...).

    الغزال : (ببرود) نافَسْتَهُ في الغناءِ والعزفِ، وادّعاءِ العلمِ الواسعِ فسَرَقْتَ منهُ إعجابَ الرشيدِ بهِ!!

    زِريابَ : وهلْ تريدُني أن أَدْفُنَ موهِبةً عظيمةً وهَبَني إياها اللهُ سبحانَهُ، فانكشفَ أمري بها أمامَ الرشيدِ؟! ثم كيفَ أسْرُقُ إعجابَ الخليفةِ بهِ وَهو معلمي وأستاذي؟!!!...

    الغزال : ألم ترفُضِ العزفَ على عودِ أستاذِكَ؟! أليسَ هذا خيانةً لهُ؟!

    زرياب : كلاّ. بلْ فعلْتُ ما فعلْتُ لأنَّ لي عوديَ الخاصَّ.نَحَتُّهُ بيديَّ بما يتناسبُ مع أفكاري الموسيقيةِ، وأحلامي في الغناءِ والتلحينِ المحْدَثْينِ!!

    الغزال : (للطلاب) أتسمعونَ.. (لزرياب) هلْ تَعْني أنَّ إسحاقَ كان تقليدياً قديماً، لا يتطورُ في ألحانِهِ وغنائِهِ ولا في آلاتِهِ ومعازِفِهِ؟!..

    زرياب : (بثقة) إنْ كنتَ تريدُ ذلكَ فجوابي نعمْ!!.. وأما أنا فلي مَذْهَبِي الخاصُّ.

    الغزال : أنتَ إذنْ مِنْ أنصارِ الأميرِ إبراهيمَ ابنِ المهديِّ(5)!!!

    زرياب : أليسَ هو أخا هارونَ الرشيدِ؟! أليسَ هو موسيقاراً بارعاً. (لطلابه) اسمعوا يا أبنائي. كان إبراهيمُ بنُ المهدي موسيقاراً مجدِّداً حديثاً، يتطورُ مع تطور الحياةِ الاجتماعيةِ في بغدادَ.

    الغزال : (يقاطعهُ) كما يتطورُ شعرُ أبي نُواس(6)، (صمت شبه طويل.. ثم) أليسَ كذلكَ؟!!

    زرياب : (بدهشة) كأنّك تهاجِمُ التطورَ في الآدابِ والفنونِ يا غزالُ، وشِعْرُكَ مثلُ أشعارِهِمْ، كيفَ أُصدِّقُ ذلكَ؟!!..

    الغزال : أنا أتكلَّمُ عن خِيانَتِكَ لأُستاذِكَ!!

    زرياب : (يصرخ) أنا لم أَخُنْهُ وأنتَ تعلمُ ذلكَ. بل هو الذي غارَ منّي وحَسَدَني على إبداعي، ولا أظنُّ أنَّ مُعلمي إسحاقَ كان سيرضى عَنْ اختراعي لعوديَ الخاصِّ بي، ولا عَنْ ألحاني، لأنها ليسَتْ من مدرَسَتِهِ.

    الغزال : كانَ يجبُ ولاءً لـهُ، أنْ تُعلِمَهُ باختراعاتِكَ.

    زرياب : كان سيرفُضُها، وأنا الذي سَهِرْتُ من أَجْلِهَا اللياليَ، بلْ كان سَيَـ....(ويسكت زرياب فجأة...).

    الغزال : كانَ ماذا يا زريابُ؟! هل كانَ سيدَّعِيها لِنَفْسِهِ؟! أتعني أنه كانَ سَيَسْرُقُها؟ أنتَ تَهْذي إذنْ.

    زرياب : أنا لا أَهْذي يا غزالُ، مُعلِّمي لم يكنْ في حاجةٍ إلى شهرةٍ، لكنّهُ خافَ على نفسِهِ، واْعلمْ ـ (لطلابه) واعلموا جميعاً أن اختراعاتي أفزعَتْهُ لأنها جديدةٌ لا يعرِفُها هو. لهذا غارَ مِنْ إعجابِ الخليفةِ بي، وحَسَدني. (يضغط على كلماتِه)، وها أنتَ الآن يا غزالُ تشْبه، للأسفِ، أستاذيَ وتغارُ مِنّي وتحسُدُني بسببِ حبِّ الأميرِ عبدِ الرحمنِ بنِ الحكمِ لي وتفضيلِهِ إيَّايَ على غيري!!

    الغزال : أغارُ منكَ أنتَ وأنا الشاعرُ الرقيقُ، والسفيرُ الناجحُ؟! يابنَ نافعٍ سأنقلُ لمولانا الأميرِ ما سمِعَتْ أذنايَ مِنْ غناءِ طُلابّكَ ومِنْ صريحِ أقوالِكَ!!

    زرياب : اسِمَع إذن يا غزالُ: طلابي ينتظرونَ دروسي وأنتَ تُعطِّلنا.

    الغزال : (وقد فاجأهُ كلام زرياب وجرأته) أَتطرُدُني يا زريابُ؟!!

    زرياب : (ينادي) منصور!!

    منصور : (يسرع ويقف أمام أستاذه) نعمْ ياسيّدي!!

    زرياب : (بجفاء) رافقْ شاعِرَنَا إلى البابِ، واحْرَصْ على وداعِهِ.

    (لحظات من الصمتِ تمرّ بطيئةً، ثم يندفع الغزال الشاعر مسرعاً نحو باب الخروجِ وفجأة يتوقف، ويلتفت إلى زرياب).

    الغزال : ستدفعُ الثمنَ غالياً يا زريابُ. (ويخرج سريعاً لكن منصوراً لا يلحق به، بل يبقى واقفاً في فتحة الباب. صمت بين الجميع وزرياب مطرق برأسه قليلاً).





    **











    المشهد الثالث




    (فجأة، يندفع زرياب نحو عوده، ويعزف بضعة أصواتٍ بسرعةٍ، وينشد بصوت قوي حزين).



    زرياب :

    أيُّهذا الزَّمانُ أَشْقيْتَ عُمْري



    زَاغَ (7) منّي الأمانُ وانْهَدَّ صَبْرِي



    يا إلهي، ضِعْتُ مِنْ شَرٍّ وَغَدْرِ




    (لقد أدهشَ غناءُ زريابَ بهذا الأداء التعبيريِّ المبهرِ جميعَ الطلاب ـ يتقدم إبراهيم بحذرٍ من زرياب، وكأنه يواسيه).

    إبراهيم : كأنَّكَ حزينٌ يا معلمي؟!!

    زرياب : بل أنا مقهورٌ يا إبراهيمُ. ولهذا تراني أُغنِّي بصوتٍ قوي ومُلْتَاعٍ كمنْ يستغيثُ لِيَسْمَعَ الناسُ جميعاً.

    إبراهيم : هذهِ فائدةٌ عظيمةٌ يا سيِّدي، تجعلُ مِنْ آلامِكَ دروساً لنا؟!!

    زرياب : نعم... التعبيرُ عمّا نُحِسُّ ونَشْعُرُ ونعاني بالغناءِ.(يلتفت إلى الطلاب) أليسَ الغناءُ ـ والفنونُ كلُّها ـ تعبيراً عن تجارُبِنا في الحياةِ؟! (صمت.. يعزف زرياب بضع نغماتٍ رقيقةٍ، حزينةٍ لكنها قصيرة.. ويغني، بينما ترافقه بعض آلات الإيقاع...).



    مَنْ نصيري مِنْ حَقُودْ



    مَنْ مُجيري(Cool مِنْ حَسُودْ





    مَنْ صديقي في العُهُودْ



    مَنْ سميري(9) في أنيني






    فاهْدَئِي يَا عَيْنُ إنَّ الغَدْرَ يَفْنَى لا يَسُودْ






    إبراهيم : (مشجعاً) اللهُ.. الله.. ما أجملَ هذا الغناءَ في هذا الكلامِ. واللهِ ما علَّمنا أحدٌ كما تُعلِّمنا يا سيِّدي

    زرياب : (مسروراً بالمديح): شكراً يا إبراهيمُ، شكراً لكمْ وأرجو أنْ نعودَ إلى دروسِنا.

    منصور : (وهو يقفز في الهواءِ من الفرح، يصرخ)، إلى النَّوبة الموسيقيَّةِ.

    زرياب : هل أتقنتَها يا منصور؟!

    سلمى : (بفرح، تمازح منصوراً)، إنه يتقنُ نوبةَ الملاعقِ والصُّحونِ والطناجرِ.

    زرياب : (بدهشة) نوبة الملاعِقِ.. ماهذهِ؟!!

    منصور : (مرتبكاً) هيَ.... أعني... (لا يجد كلاماً يقوله...).

    زرياب : ماهيَ يا سلمى؟!..

    منصور : هيَ يا سيدي لحنٌ للمِتْعَةِ والضَّحِكِ وتفريحِ النَّفْسِ والبدَنِ!! صَدِّقْني!!

    سلمى : (تمازح منصوراً) هو في الحقيقةِ لا يُتْقِنُ سوى نوبةِ الملاعقِ والصحونِ!!!

    منصور : أنا؟!!!

    زرياب : أحقاً يا منصورُ؟!!

    منصور : لا ياسيدي، إنهمْ يغارونَ منّي، ويَحْسُدونَني لأنَّني...

    زرياب : (يقاطعه بقوة) كفى، كفى..

    منصور : (بدهشة) عفواً يا سيدي.

    زرياب : (كمن لا يصدق) هل سَمِعْتُكَ تذكُرُ الحَسَدَ والغَيْرَةَ؟!

    منصور : (مرتبكاً) نَعَمْ...

    زرياب : (غاضباً) لا أُريدُ أنْ أسمعَ هذا الكلامَ هنا أبداً. (يدور بين الطلاب بحماس ظاهر) الأخلاقُ مبدَؤنا والمحبةُ رائِدُنا. فلا حِقْدٌ بيننا ولا كراهيةٌ. هذا هو الفنانُ، إنسانٌ عظيمٌ لأنهُ كريمٌ وعفيفٌ. يسعى وراءَ الجمالِ واللَّطافةِ والرَّهافةِ بصدقٍ ومحبَّةٍ.

    منصور : عفواً يا معلمي. إنها زلَّةُ لسانٍ أحْمَقَ!!

    زرياب : أعرِفُ ذلكَ، ولكنْ عليكَ أن تعتذرَ لسلمى!!

    سلمى : أسامِحُهُ إذا غنَّى لنا نوبةَ الملاعقِ.

    زرياب : رغمَ أنّني لا أُحِبُّ الغناءَ الهابطَ فإنّني سأَسْمَعُ نوبةَ ملاعقِ منصورٍ، ولكنْ بعْدَ أنْ نعرِفَ منهُ ماهيَ نوبَتُنا الموسيقيةُ، إنْ كانَ يعرِفُها!!

    منصور : (بفرح وحيوية لأن أستاذه سامحه) النوبةُ يا سيِّدي هي أسلوبٌ، أو... طريقةٌ في الغناءِ اخْتَرَعَها أستاذُنا زريابُ.

    زرياب : (يطرق برأسه إلى الأرض متأملاً وشابكاً ذراعيه خلف ظهره ـ يهز رأسه).. آا... اخْتَرَعَها... لا بأسَ بهذا الكلامِ. ولكنْ، كيفَ كانَ الغناءُ قبلَ ذلكَ يا منصورُ؟!!

    منصور : كانَ يا سيدي أيامَ الرشيدِ يتألّفُ مِنْ مجموعةِ مغنّينَ يغنّونَ وراءَ بعضِهِمْ على التوالي، أَعني بالدَّوْرِ. وكانَ كلُّ مغنٍّ مختصّاً بنوعٍ مُحَدَّدٍ من الغناءِ. أمَّا أنتَ فمختلفٌ عنهمْ جميعاً.

    زرياب : أحسنتَ يا منصورُ..

    منصور : هل أتابعُ يا سيدي؟!

    زرياب : بل نستمعُ إلى سلمى.

    سلمى : طريقَتُنا يا سيدي أننا نبدأُ نَوْبَتَنا بالنَّشيدِ الثقيل مِنَ الأوزانِ والنَّغَمَاتِ، ثم نَخْرُجُ منها إلى الألحانِ البسيطةِ، فالأهزاجِ المرقِّصَةِ فالنَّشيدِ المرْسَلِ.

    منصور : بهذا الاختراعِ يا سيدي لتسلسلِ الأنغامِ والأصواتِ والإيقاعاتِ وأساليبِ الغناءِ تفوَّقْتَ على أساتِذَتِكَ جميعاً!!..

    زرياب : لا يا منصورُ، بلْ تعلَّمْتُ مِنْهُمْ، وعلى علومِهِمْ بَنَيْتُ علمي، ولولاهُمْ ما كنتُ ولا كنْتُمْ!!

    منصور : لكنَّكَ فتنْتَ الخليفة الرشيدَ، يومَ غنَّيتهُ بأسلوبِكَ الجديدِ على عودِكَ، ما أدْهَشَهُ، فأوصى بكَ إسحاقَ..

    زرياب : صَدَقْتَ يا منصورُ، يومَها غنَّيْتُ كما لم أُغَنِّ مِنْ قَبْلُ أبداً.

    سلمى : صوتُكَ يا سيدي هِبةُ اللهِ، ولهذا سمَّاكَ أهلُ الفنِّ زريابَ تشبُّهاً بطائرٍ أسودِ اللونِ جميلِ الصّوتِ.

    (صمت طويل بين زرياب والطلاب، وبحركة خفيفة هادئة يسير زِرياب نحو طاولته والعود بين يديهِ. وكأنه يتذكر أيام بغداد...)

    زرياب : يومَهَا عزفْتُ على عودي...(يعزف بضعة أصواتٍ ثم يتوقف ويتنهد).

    إبراهيم : هل اسألُ ياسيدي ؟!

    زرياب : نعمْ يا إبراهيم؟!

    إبراهيم : لماذا لمْ تَعْزِفْ على عودِ معلِّمِكَ؟!!!

    زرياب : لقد سألَني الخليفةُ الرشيدُ هذا السؤالَ. بل إنّهُ لمْ يستَطِعْ أنْ يُفرِّقَ بين عودي وعودِ معلمي. كانا متشابهِينِ مِنْ حيثُ الشَّكلُ.

    سلمى : برغمِ عِلْمِهِ ومعْرَفتِهِ؟!

    زرياب : لا يعرفُ ذلك سوى أهلِ الفنِّ يا سلمى، وبالتَّجْرُبَةِ!!!

    منصور : لَمْ أفهمْ!!

    زرياب : انظروا إلى عودي. (ينظرون جميعاً باهتمام) الخشَبُ هو نَفْسُهُ، لكنَّهُ أخفُّ ثلثَ وزنِ عودِ إسحاقَ. وأما أوتارُهُ فَمِنَ الحريرِ الذي لَمْ أَغْسِلْهُ بماءٍ ساخنٍ حتى لا ترتخيَ فتصْبَحَ أُنثى. وأما هذانِ الوترانِ (يشير إلى الوترين العلويين) فقد صَنَعْتُهُمَا مِنْ مُصْرانِ شِبْلِ أسدٍ، إذا عزفْتُ عليها بالمِضْرابِ أصدرتْ رنيناً حُلواً وصفاءً مُدْهِشاً. وأوتارُ المصْرانِ هذه تتحمَّلُ الضرْبَ والعفْقَ بمضرابِ الخشبِ. مع أننا الآن نستخْدِمُ ريشةً مِنْ جناحِ النَّسْرِ.

    إبراهيم : ونحنُ ـ والتاريخُ ـ لن ننسى إضافَتَكَ الوترَ الخامسَ الذي زِدْتَ بهِ مَساحةَ الغناءِ والأنغامِ في مختلف الطبقاتِ. فاكتسبَ العودُ قدرةً تعْبيريةً جديدةً وطاقةً فريدةً.

    منصور : ولن ننسى يا سيدي اختراعكَ وتطويرَكَ لأَداءِ الفرقةِ الموسيقيةِ ومجموعاتِ الغناءِ، وأساليبِ التدريبِ الحديثةِ!!..

    سلمى : وفنَّ ارتداءِ الملابسِ بِحَسْبِ الفُصولِ، وتزيينَ الشَّعْرِ وآدابَ الطعامِ. وغيرُ ذلك كثيرٌ ياسيدي.

    زرياب : (يتنهد) ومع هذا فإنهُمْ يغارونَ مني ويَكيدونَ لي وأنا بعيدٌ عن السياسيةِ.

    منصور : الصبْرُ يا سيدي صفةُ المؤمنين!!!

    زرياب : سامَحَكَ اللهُ يا إسحاقُ، غيرَ أنَّكَ نَفَعْتَني بعلْمِكَ، وَبِطَرْدِكَ إيَّايَ مِنْ بغدادَ.





    **











    المشهد الرابع




    (فجأة يدوي صراخٌ من خارج الصالة، ثم يندفع رجلٌ سمين وهو يلهث).



    عُبادة : دعوني... ابتعدْ من طريقي... (أمام زرياب) أفْ!! أترى هذه البهدلةَ!!..

    زرياب : أتقتحِمُ معهدي بهذهِ الطريقةِ يا سيد........

    عُبادة : اسمي عُبادةُ. (كأنه يعتذر) سامِحْني يا أبا الحسنِ، حاجِبُكَ يمنَعُني مِنَ الدخولِ وأنا في حاجةٍ إليكَ، فكيفَ أدخلُ إذنْ؟!!!

    زرياب : تطلبُ إذناً!!

    عبادة : وانْتَظرُ؟!! ... لا أستطيعُ.... أما الآنَ وقدْ قابلْتُكَ فاسْمَعْني.

    زرياب : تكلّمْ....

    عُبادة : (يصرخ) ادخلي يا عفراءُ...

    (تدخل عفراء، وهي فتاة سمينة مثل عبادة، إنها تصفق بيديها وتتراقص وتدمْدِمُ لحناً ما، رغم أنها تستر وجهَهَا بخمارٍ أسودِ اللونِ. تتوقف وتضحك بصوتٍ خافت غير أنه مسموع).

    زرياب : مَنْ هذه؟‍!

    عُبادة : مُغَنِّيتي، وأريدُ أنْ تُعْطِينَي رأْيَكَ فيها يا أبا الحسنِ!!

    زرياب : هلْ تُغني وتعزِفُ؟!

    عُبادة : (بفرح) وتقولُ شِعْراً (تضحك عفراء) انشِدينا يا عَفرائي!!

    (بحركة سريعة تفاجئ الجميع وتنزعُ الخمار عن وجهها وترميه إلى الأرض، كأنها ممثلة مسرحية، وتبدأ بتحريك ذراعيها في الهواءِ وهي تنشد بأسلوبٍ يشبه إلقاءَ الأطفالِ).

    عفراء :

    هَيَّأْتُ للصَّيْدِ الشَّبَكْ



    وَمَضَيْتُ أصْطَادُ السَّمَكْ




    وَرَمَيْتُ في ماءِ البُحَيْرَةِ شَبْكَةً لا تَنْشَبِكْ




    فإذا بِحُوتٍ قالَ لي



    مُبْتَسِّمَاً: مَا أَجْمَلَكْ



    أَنْتَ المليحُ أَناقةً



    أنتَ المُدَلَّلُ يامَلَكْ




    فَتَركْتُهُ وَمَضَيْتُ أَسْقي صاحبي مَرَقَ الحَسَكْ






    عُبادة : (فرحاً ـ يصفق ) الله...الله .... رائعةٌ. أسمِعْتَ يا زريابُ؟!.. إنها ظريفةٌ!! أما صَوْتُها.. فأَجْمَلُ مِنَ البلابِلِ والحساسينِ والشحاريرِ والكناري(11)!!!!!

    زرياب : هذا كلامٌ أَخْرَقُ، فارغٌ، لا معنى لهُ، وقائِلُهُ جاهلٌ.

    عُبادة : (منزعجاً) جاهلٌ ؟! هذا أنا.. أنا قلتُ هذا الشِّعْرَ الجميلَ الرائعَ!!

    منصور : إنه ليسَ جميلاً ولا رائِعاً. هلْ رأيتَ حوتاً يعيشُ في بُحَيْرةٍ؟!!

    عُبادة : أسكتْ أنتَ يا تلميذُ. أنا أكلِّمُ أستاذَكَ!!

    زرياب : بل هو شِعْرٌ سيِّئ.

    عُبادة : لو تَسْمَعُ لحنَهُ وغناءَهَا... ستغيِّرُ رأْيَكَ.اِسْمَعْ... اِسْمَعْ (للطلاب..). هاتوا دَفَّاً، أو صَحْناً، أو طنجرةً...

    زرياب : (بدهشة) طنجرة؟!!!.

    منصور : (ساخراً) طبعاً، لِيَطْبُخ الشِّعْرَ مَعَ اللَّحْنِ. مِنْ دونِ مَرَقٍ!!

    عُبادة : أَحْسَنْتَ... لنطبخ الكلامَ في الألحانِ... هاتوا أيَّ شيءٍ.

    زرياب : أَعطوها عوداً لنرى..

    (إبراهيم يعطي عبادة عوداً ـ عبادة يتأمل العود، ينقر عليه بأصابعهِ ـ ثم يعطيه لعفراءَ التي تستعمله مباشرة وكأنه دربكة ـ تخبط بأصابعها وتتراقص وتخبط بقدميها وتزعق).

    عفراء :

    شَرِبْنَا مِنْ قَنانينا



    شَرابَ الخَوْخِ وَالجَوْزِ



    وَقَضَّيْنَا لِيالينا



    بأَكْلِ التِّينِ وَاللَّوْزِ



    وغَنَّيْنَا أغانينَا



    بِنَقْرِ الكأْسِ بالكُوزِ(12)



    فحَقَّقنَا أمانينَا



    وَفُزْنا أيَّما فَوْزِ




    عُبادة : رائعٌ، رائعٌ... ماذا يا أبا الحسن؟!.. هل غَيَّرْتَ رَأْيَكَ؟!..

    زرياب : بلْ هيَ سَيْئَةٌ جداً.

    (تبكي عفراء بصوت قوي وهي تهتز وتخبط الأرض بقدميها كأنها طفلة صغيرة ـ يحاول عبادة إرضاءها).

    عُبادة : بَسْ.. بَسْ.. سوفَ أنتَقِمُ لكِ، انظُري.. انْظُرِي (يكلم زرياب) أنتَ لا تفهَمُ في الموسيقا. أنتَ جاهلٌ (تضحك عفراء) عيْبٌ... عيْبٌ عليكَ يا أخي أن تَخْنُقَ هذهِ الموهبةَ الرائعةَ (تضحك عفراء) أَزْعَلْتَها، وأبكَيْتَها. عفرائي...

    عفراء : هااا؟!!.

    عُبادة : هذا الزِّرْيابُ الجاهِلُ متكبِّرٌ لا يُعْجبُهُ العَجَبْ، ولا الصِّيامُ في رَجَبْ...

    زرياب : هل تشتُمُني يا عبادةُ وأنتَ في مَعْهدي؟!..

    عُبادة : البادئ أظلمُ. أنت أهنْتَها، وأهنْتَني. أبكيْتَها، وأزَعلْتَني. هل عِنْدَكَ أفضلُ منْها؟!! أتحدَّاكَ!! وهلْ ألحانُكَ أجملُ من ألحاني، وأشعارُكَ أحلى من أشعاري؟!!! أتحداكَ.. أينَ عُصْفورَتُكَ المغنيَّةُ.. أينَ؟!

    زرياب : سترى عصافيري حقاً أمامَ غُرابِكَ هذا!! (ينادي) حَمْدونَةُ!!

    حَمْدونَةُ : (تتقدم) نعمْ يا أبي!!.

    عُبادة : (بدهشة) ابنَتُكَ؟!!!

    زرياب : أسمِعي هذا السيِّدَ، وهذهِ الجاهلَة كيفَ يكونُ الفنُّ الراقي والغناءُ الحَسَنُ!! منصورٌ، إبراهيمُ.. اعزِفوا ورافقوها جميعاً بالرْقصِ والغناءِ!!

    **











    المشهد الخامس




    (منصور يقود الفرقة ويعطي إشارة البدء).





    منصور : استعداد... (ويهمس) واحدٌ... اثنان...

    (تعزف الفرقة لحناً حراً دون إيقاع، تقاسيم ارتجالية للعود أو للناي، ثم مقدمة موسيقية موزونة لجميع الآلات على وزن ثقيل بطيء ـ تشارك فرقة الرقص ـ يبدأ الغناء).



    المجموعة:

    في رياضِ الآسْ(13)



    طابَ نادينا(14).



    رَقَّقَ الإِحْسَاسْ



    شَدْوُ حادينا(15).



    فانْهُلوا يا ناسْ



    مِنْ أَغانينا




    حمدونة: (وبعد مقدمة موسيقية قصيرة تغني).

    يا أَحِبَّتَّنا


    انْظُروا الأَزْهَارْ


    بالصَّفا تَصْدَحْ



    واسْمَعُوا الأَطْيَارْ


    تُرْسِلُ الأَشعارْ
    في الصَّدى تَسْبَحْ





    المجموعة:

    النَّشِيدُ يَدُورْ



    مَوْكِبَاً مِنْ نُورْ




    مِثْلَما العُصْفُورْ





    في الفَضَا يَمْرَحْ






    حمدونة :

    فارْسِلوا الأَلْحَانْ



    يا مُغَنُّونَا



    تَغْسِلُ الأَحْزانْ



    مِنْ مآقينَا(16).




    يا أَحِبَّتَنَا




    ما أَيادِيكُمْ


    إلاّ


    أَيادينَا





    المجموعة : (وترافقهم في الختام حمدونة)

    ما أَمانيكُمْ


    إلاّ
    أَمانينَا




    زرياب : (يصفق لهم وهو يبتسم) أحسَنْتُمْ..شكراً لكمْ جميعاً!! ما رَأْيُكَ يا عبادةُ بهذا الغناءِ؟!

    عُبادة : غناءٌ؟!(يضحك، وتضحك معه عفراء) أهذا غناءٌ؟!! عُصْفورٌ وإحساسُ، وزُرزورٌ وآسُ؟!! كأنّنا في غابةٍ. يا أخي مالي وللآسِ وأحزانِ الناسِ؟! أنا أُحبُّ نضوجَ ألحانِ الطعامِ في القدورْ، وشرْحَ البطونِ بشرابٍ مِنَ التفاحِ المعصورْ، أما هذا الغناءُ.. فبائسٌ مهجورْ!!...(ويضحك مع عفراء على كلامه)..

    منصور : (منزعجاً) مابهِ هذا الغناءُ آآاا..؟! إنَّكَ لا تُحسِنُهُ إطلاقاً، ولا تَعْرِفُهُ أَصْلاً.

    زرياب : (يؤنب منصوراً) منصور!!

    منصور : اسمَحْ لي يا سيدي.. سأُقدِّمُ لهذا السيِّدِ وجبةً من الغناءِ دَسِمةً يَسيلُ لها لعابُهُ. لدينا يا سيِّدُ عُبادةَ غِناءٌ عن الطعام يناسِبُ بطنَكَ وبطنَ عفراءَ في كلِّ مقامْ.

    زرياب : كأَنَّني أسمعُ كلاماً غريباً عليَّ!!

    سلمى : (تعلن بصوتٍ مرح) نوبةُ الملاعقْ!!

    منصور : كأنّها الصواعقْ... تهزُّ كلَّ جاهلٍ منافقْ... اعزِفُوها...

    (تملأُ الأسماع موسيقا ذات طابع إيقاعي شديد ـ نقر على الدفوف ـ نقر على خشب الأعواد، وعلى الصحون، وأصوات الملاعق تسيطر على الأجواء العامة ـ يندهش زرياب لكل ما يسمع وكأنه غير مصدق .

    يرقص الجميع بشكل فوضوي وساخر، ويندمج معهم عبادة وعفراء، بينما ينسحب زرياب إلى طاولته مأخوذاً من هذا الاستعراض الساخر).

    زَحَفْنَا إلى العُرْسِ زَحْفَ العَسَاكِرْ
    لِحَشْوِ البُطونِ، ومَصِّ السَّكاكِرْ
    ونَجْلِسُ نَنْتَظِرُ الطَّابخينَا
    يَجيؤُونَ قَدْ حُمِّلوا بالشَّطائِرْ (17)
    إوَزّاً وبَطَّاً ولَحْمَ غَزَالٍ
    نُراقِبُها كَطُيورٍ كواسرْ
    إذا صَاحَ دَاعٍ إلى الأكْلِ قُمْنَا
    نَسُلُّ الملاعِقَ سَلَّ الخناجِرْ
    وَنَهْجُمُ نَقْرَعُ صَحْنَاً بِصَحْنِ
    وَنَصرَخُ حَتّى تُبَحَّ الحناجِرْ
    ألا عَجِّلوا باللُّحُومِ فَإِنّا
    غَرِقْنَا بِمَرْقَتِكُمْ في الطَّناجِرْ



    عبادة : (وقد أعجبه هذا الغناء- بسرور) إي هَهْ!! هذا أحْسَنُ غناءٍ سَمِعْتُهُ في حياتي. وأنتَ يا منصورُ أفضَلُ مطربٍ… أُقسِمُ أنكَ أفضلُ مطربٍ في الأندلسِ بعد مغنِّيَتي عفراء.

    زرياب : (منزعجاً) عبادةُ.. خُذْ عفراءَكَ وامضِ سريعاً قبلَ أن أغضَبَ!!

    عبادة : تطرُدُني؟! طيِّب.. سأَمضي. عفراءُ.. اتبعيني. (عفراء تتناول خمارها وتضعه فوق رأسها وتلحق بعبادة.. عند الباب يتوقف عبادة ويخاطب زرياب) لكنَّ منصوراً مطرِبٌ أفضلُ مِنْكَ (ويخرج سريعاً هو وعفراء. لحظة صمت، خاصة من قبل منصور…).

    منصور : سامِحْنِي يا سيِّدي.

    زرياب : ما فَعَلْتَهُ يا منصورُ كانَ غَلَطاً. أتُغنِّي هذا الغناءَ القبيحَ؟!!

    منصور : هو للمُزاحِ يا معلِّمُ، ويليقُ بذاكَ الرجُلِ وتلكَ المغنِّيةِ. مثْلُهُ لا يعْرِفُ غيرَ غناءٍ تافهٍ يا سيِّدي!!

    زرياب : ونحن نرفضُ هذا التافِهَ الساقِطَ، وأرجو أنْ لا تُكرّرَ ذلكَ، لأننا نغنّي للجمالِ يا منصورُ، هل تَفْهمُ؟!!

    منصور : بلى يا سيِّدي!!











    المشهد السادس




    (يدخل حاجب المعهد مسرعاً، ملهوفاً،
    لاهثاً….)



    الحاجب : يا سيدي أبا الحسن، يا سيدي!!

    زرياب : ما بكَ يا أحمدُ، تصرخُ وتلهث؟!!

    الحاجب : رسولُ الأميرِ….

    زرياب : (بدهشة) حسانُ..؟!

    الحاجب : بعَينِهِ..!!

    زرياب : ليدْخُل!!

    حسان : (وقد ظهر في الباب) ها أنا يا أبا الحسن….

    زرياب : (يرحّب به) أهلاً برسولِ مولانا الكريمِ. ادْخُل أرجوكَ!!

    حسان : مِنْ مكاني…

    زرياب : كيف؟!!

    حسان : هما كلمتانِ.. الأميرُ يطلبُكَ..!!

    زرياب : (بدهشة) عبدُ الرحمنِ بنُ الحكَمِ؟!!

    حسان : والآنَ!!

    زرياب : (كأنه يكلم نفسه….) فعلها الغزال إذاً. صدِّقْني يا حسانُ هي تهمةٌ باطلةٌ.!!

    حسان : عجِّلْ بنا يا أخي بدلَ الكلامِ، فالأميرُ ينتظرُ. (لحظة صمت قصيرة- زرياب يتأمل تلاميذه، وأولاده..)

    زرياب : (بأسى) حظٌ سيِّئ…. وداعاً.

    حسان : (يفسح طريقاً لزرياب) تفضَّلْ يا سيدي.

    (يمضي زرياب نحو باب الخروج وخلفه حسان- صوت حمدونة ابنته يعلو فجأة وهي تناديه فيتوقف..)

    حمدونة : أبي!! (بعد لحظات- تندفع نحوه وتتوقف أمامه) أرجوكَ.. لا تستسلمْ للظلمِ يا أبي. كُنْ جريئاً.

    زرياب : لن أُجْبُنَ يا ابنتي… (للجميع) منصورُ.. إبراهيمُ.. تابعوا تدريباتِكم من فضلِكم، لأنني سأعود.

    (يتحرك فجأة مستديراً للخروج، وفي الباب يتقابل مع الطبيب ابن ناصحٍ وهو يريد الدخول على زرياب).

    **











    المشهد السابع




    ابن ناصح : (من الباب) السلام عليكمْ!!

    زرياب : (بدهشة) الطبيبُ ابنُ ناصحٍ؟!! وعليكمُ السلامُ..

    ابن ناصح : هل أنتَ خارجٌ يا أبا الحسنِ؟!

    زرياب : (وهو يشير إلى حسان) كما ترى.. فرسولُ الأميرِ يُرافقني!!

    ابن ناصح : بل تبقى!!

    زرياب : (بدهشة) ماذا؟!

    ابن ناصح : لأن لي حاجةً خطيرةً عندكَ!!

    حسان : ولكنّ الأمير يطلبهُ!!

    ابن ناصح : (بثقة كأنه يأمر حسان) الأميرُ ينتظرُ، أما حاجتي فلا تنتظِرُ!!

    زرياب : (بقلق) شغلْتَ فكري يا بنَ ناصِحٍ. هلْ جميلةُ في خطر؟!!

    ابن ناصح : بل هي كالحصان، وسوف تعود إلى دروسها اليوم. ولكنْ.. (يلتفت إلى حسان) حسان.. أرجوكَ أن تعتذرَ لمولانا الأميرِ باسمي. قلْ لـه: إنني منعتُ زريابَ مِنَ الحضورِ لحاجةٍ طبِّية خطيرةٍ لها شأنُها في الأندلسِ غداً.

    حسان : (بعد صمت قصير) حسنٌ، سأفعل (ويخرج سريعاً)

    زرياب : (لابن ناصح ومازال دهشاً) هل حاجتُكَ تمنَعُني عَنْ طلبِ الأميرِ حقاً؟!!

    ابن ناصح : وهل كنتَ ترغبُ في الذهابِ حقاً!!

    زرياب : وما أدراك؟!

    ابن ناصح : وجهُكَ

    زرياب : (مضطرباً) ما بهِ؟!

    ابن ناصح : كان قاسياً، خائفاً.. وكانت عيناكَ جامدتينِ!!

    زرياب : كلُّ هذا؟!…. اعْذُرْني يابنَ ناصحٍ، كنت خائفاً.

    ابن ناصح : لماذا؟!

    زرياب : لا أعرفُ ماذا يريدُ الأمير، وإنْ كنتُ أخافُ وشايةَ الغزالِ بي.

    ابن ناصح : إذنْ بقاؤُكَ أهمُّ مِنْ كلِّ شيء. يا أبا الحسن، ألمْ تُخبرْني ذاتَ يومٍ أنَّ في الغناء دواءً للمرضى؟!!

    زرياب : بلى!!

    ابن ناصح : واليومَ أحتاجُ إلى دوائكَ!!

    زرياب : أتريدُ أن تسمع غناءَنا؟!! (يلتفت إلى تلاميذه..) اِعْزِفوا لطبيبنا العظيم..

    ابن ناصح : ليسَ لي. بل أريدُ أن أداويَ فتىً صغيراً مريضاً في روحِهِ، وليسَ في جَسَدهِ (يتجه نحو الباب ويهتف) ادخلْ يا أبا العباس.





    **











    المشهد الثامن




    (يدخل رجل يسند فتىً صغير السن مريضاً. يندفع ابن ناصح ليساعد الرجل وهو يعين الفتى المريض).



    زرياب : (يهتف) ساعدوهما- وافرشوا للفتى.. (يندفع إبراهيم ومنصور نحو الفتى ويحملانه، بينما حمدونة وسلمى تجهزان فراشاً ومساند) ضعُوْه هنا!!

    أبو العباس : (بلهفة- لزرياب) يا أبا الحسن، هو ولدي. ساعِدْني على شِفائِهِ أرجوكَ!!

    زرياب : كيف؟!!

    ابن ناصح : مرضُهُ في روحِهِ كما أخبرُتكَ!!

    أبو العباس : والحزنُ يقتلهُ بطيئاً بطيئاً!!

    زرياب : والسبب؟!

    ابن ناصح : غرقَ أخوه في البحرِ فجأةً، وكانا يسبحانِ…

    زرياب : (يطرق برأسه حزيناً) البحرُ؟!! آه.. البحرُ الغدارُ.. (ثم يلتفت نحو ابن ناصح ويسأله) يا بن ناصحٍ، هل تثقُ بموسيقانا وغنائنا؟!!

    ابن ناصح : (بثقة) مَنْ لا يثقُ بموسيقا زرياب جاهلٌ. إنها فنٌّ وعلمٌ!!

    زرياب : (مسروراً لهذا المديح) شكراً يا أخي. (يتجه بحيوية ونشاط نحو تلاميذه الذين استعدوا سريعاً ويكلمهم) هيَّا.. نداوي الداءَ بالداء، فلا يفلُّ الحديد إلى الحديدُ(18). لِنَعْزِفْ، وَلْنُغَنِّ أغنيةَ البحرِِالغدَّارِ.

    ابن ناصح : صَدَقْتََ يا زريابُ. استعنْ باللهِ وتوكل!!

    زرياب : بسم الله، وعليه توكَّلنا، (للجميع) واحد… اثنان.

    (تصدح الموسيقا بأسلوب تعبيري، نسمع أمواج البحر، ورشاشَ الماء المصطخب- كل ذلك يجري دون أي وزن إيقاعي، ثم يأتي الغناء ضعيفاً خافتاً من بعيد بعيدٍ، وكأنه قادم من المجهول أو أعماق البحر، لكنه غناء رقيق ساحر، تمتزج فيه أصوات النساء كأنهنَّ حورياتُ البحار، بأصوات الرجال، ثم يتناوبون الغناء كأنه آهات حزينة)

    المجموعة : آهْ… آهْ… آهْ

    يا بَحْرَ الأسرارْ

    يا غدَّارْ

    يا عالي الأمواجْ

    بالماءِ الرجراجْ

    يا صاعقةَ النارْ

    هدِّئْ إعصاركْ

    واكْبحْ تيارَكْ

    وكفاكَ هيَاْجْ

    يا بحرْ

    لا تسْرُقْ فرحَ العُمرِ

    مروان : (يتأوه بصوتٍ واهن ضعيف) آه..

    المجموعة : آهْ… آهْ… آهْ….

    فالشطآنُ حكايا

    مروان : آه..

    المجموعة : والأمواجُ مرايا

    مروان : (يصرخ مذعوراً) كلاّ..

    الأمواجُ بلايا،

    تِنِّينٌ مِنْ ماءٍ أسودْ

    مزروعٍ بالشَّرْ

    المجموعة : (وكأنها ترد على الفتى)

    لكنَّ الضَّحِكاتِ الأحلى

    فوق الرملِ الباردْ

    رَشَّاشٌ مِنْ عِطرْ!!

    (فجأة ينتفض الفتى وينهض، ويبدأ بالدوران، وكأنه يرقص في جلسة تحضير للأرواح. يزداد قرع الإيقاعات وتناوب الأصوات بين القوة والليونة والطول والقصر- وفي اللحظة نفسها يدخل الأمير عبد الرحمن بن الحكم وخلفه يدخل الغزال ثم حسان، ولكنهم جميعاً يتوقفون في أمكنتهم دهشين مما يرون من صخب راقص وموسيقا عنيفة. إنهم يسمعون نوعاً جديداً من الغناء- ولأن الجميع منشغلون بعلاج الفتى لا أحد ينتبه للقادمين- يتأوه الفتى وهو يدور حول نفسه كأنه إعصار وهو يهتف بألم، وبصوت ممدود ممطوط).

    مروان : آ ا ا ا ا ا هْ….

    يا بَحْرْ

    المجموعة (بقوة): يا بحْرْ!!

    مروان : لن تسرُقَ مني الصبرْ

    المجموعة (بقوة): لن تسرُقَ مني الصبرْ

    مروان (بتحدٍّ) : لن تأخذَ أحلامي

    المجموعة (بقوة): يا بحرْ

    مروان : وحلاوةَ أيامي

    المجموعة (بقوة): يا بحرْ

    مروان : (بإصرار، وهو يدرك الآن ما يقول، وقد هدَّهُ التعبُ فصار يلهث)

    لنْ أشربَ كأسَ المرْ

    ما دامت أنفاسي

    تسري في إحساسي

    إني أتحدَّى القهرْ

    المجموعة : ما دامتْ هذي الأوتارْ

    تصفو بجمالِ الأشعارْ

    ما دامتْ هذي الدنيا

    تحلو بعبيرِ الأزهارْ

    وأناشيدِ الطَّيرْ

    مروان (برقة) : يا بَحْر

    المجموعة : بحرَ الخير

    مروان : (يمد صوته واضحاً طليقاً فرحاً خالياً من كل ألم برقة)

    يا بَحرَ الخيرْ

    المجموعة : (كأنها تنادي البحر حقيقة، وبصوت قوي، تصدح فيه أصوات المغنيات)
    يا بحرَ الخيرْ

    (تزداد سرعة الإيقاعات وحيوية ونشاط الموسيقا، ومروان يرقص وفرقة الرقص تشاركه- وفي لحظةٍ حاسمةٍ يفرد مروان ذراعيه على امتداد كتفيه كأنه عصفورٌ ويدور، يدور والابتسامة تعلو شفتيه، ويطفح وجهه بالفرح، ثم فجأةً يسقط على ركبتيه مجهداً تعباً- في اللحظة نفسها يندفع الطبيب ابن ناصح ويحضن مروان من خلف ظهره ويشده إليه بقوة).

    ابن ناصح : أحسنتَ يا مروان.. كنتَ رائعاً… (صمت شبه طويل- لا يرد مروان- الجميع يراقب الموقف- يتابع ابن ناصح) مروانُ… كنتَ رائعاً.. أتسمَعُني؟!!

    مروان : (بحنان- وهدوء كأنه يحلم) ياه… واسمعُ صوتَ البحرِ الجميل..

    ابن ناصح : بلى.. إنّه جميلٌ!!

    مروان : أين أبي؟!

    أبو العباس : (يندفع سريعاً ويركع أمام مروان ويضمه إلى صدره فرحاً) أنا فداؤُكَ يا ولدي!!

    مروان : أنا كالفراشةِ، كالعصافيرِ، أحبُّ أَنْ أطيرَ… أطيرَ… أطير…

    أبو العباس : (يبكي من الفرح) وأنا سأطيرُ معكَ…

    (زرياب يعطي إشارة للفرقة الموسيقية التي تعزف موسيقا ناعمة تغمر الموقف بحنان وهي تعبِّر عن هذا الحلم الجميل.. يلتفت أبو العباس نحو ابن ناصح)

    شكراً لكَ يا بنَ ناصحٍ، شكراً لك.

    ابن ناصح : بل الشكرُ لله أولاً، ولزريابَ ثانياً، لأنّ له الفضلَ الأول.

    أبو العباس : (لزرياب) يا أبا الحسن، روحي لكَ فداءٌ، فاطلُبْ!!

    زرياب : (بهدوء وسكينة) اُدْعُ لي أن ينجِّينَي الله من الأشرارِ يا أخي!!

    أبو العباس : (بصوت مليء بالحنان والبكاء)
    اللهمَّ صُنْ زريابَ عليَّ بنَ نافعٍ، واحفظْهُ من الأشرارِ والحاسدينَ يا ربَّ العالمينْ!!



    **











    المشهد التاسع




    (فجأة- لم يعد الغزال قادراً على ضبط نفسه- يندفع ويصرخ)



    الغزال : أرأيتَ يا مولايَ (بسخرية) شعوذَةٌ ودجَلٌ. تطلُبُ زريابَ فيتلهّى عنكَ بالشعوذةِ والسحر الحرام.

    زرياب : (يفاجأ الجميع بالأمير وبكلام الغزال- يتقدم الأمير عبد الرحمن وخلفه قليلاً الغزال) مولاي الأميرُ ابنُ الحكمِ في معهدي؟!! يا أهلاً.. ويا مرحباً!!

    الغزال : مشعوذٌ دَجّالٌ!!

    ابن ناصح : عَفْوَكَ يا مولايَ!!

    عبد الرحمن : ماذا يا بنَ ناصحٍ؟!

    الغزال : (صارخاً) اسكتْ أنتَ يابنَ ناصحٍ، لأنكَ مشعوذٌ مِثْلُهُ!!

    عبد الرحمن : (للغزال) كفى يا غزالُ!!

    زرياب : اعذرني يا مولايَ الكريم، وقد رأيتَ بعينيكَ ما أَخرَّنَي عنكَ، وها إني مستعدٌ لِسَمَاعِ حُكْمِكَ!!

    عبد الرحمن : ما رأيك يا غزال؟!

    الغزال : (بحقد) نحاكمهُ!!

    زرياب : أرجوك يا أمير، حاكِمْني أنتَ فأرضى بحكْمِكَ لأنكَ عادلٌ.

    عبد الرحمن : أتداوي بالموسيقَا يا بنَ نافعٍ؟!

    زرياب : حين لا يكونُ المرضُ، أو الداءُ في عضوٍ من أعضاءِ البدنِ، يكونُ في النفسِ والروحِ. كآبةٌ وهمومٌ، وأحزانٌ، فنداوي ذلك بالموسيقا. هكذا علّمنا أساتذتِنَا يا مولاي!!

    عبد الرحمن : وماذا يقولُ ابنُ ناصحٍ؟!

    ابن ناصح : ما قاله أبو الحسن هو العِلْمُ يا مولاي!! فأنَقذْنَا بذلك فتىً تحتاجُهُ الأندلس!!

    عبد الرحمن : إذنْ فاْسْمَعْ حكْمي يا زريابُ وقد رأيتُ بعينيَّ ما أدهشني..

    أبو العباس : (يندفع ويركع أمام الأمير متوسلاً) لا… لا.. اسْمَعْني يا أميري. تأخَّرَ زريابُ عنكَ بسببِ ولدي، ولذا.. فأنا له فداءٌ، فاحكمْ عليَّ أنا، وَدَعْهُ للأندلس.

    عبد الرحمن : اسمعوا جميعاً. والله الذي لا أعبدُ إلهاً سواه، لو كنتَ جئِتَني يا زريابُ وتركتَ هذا الفتى تنهشهُ آلامه، فعلمتُ أنا بذلك، لكنْتُ حكَمْتُ عليكَ بالحبسِ مدى عُمُرِكَ. أَمَّا وقدْ فعلْتَ ذلكَ فإنّني أمنَحُكَ ألفَ دينارٍ هديةً على علمِكَ ورحمتِكَ، وألفَ دينارٍ مثْلَها لطبيبنا ابن ناصحِ. (التلاميذ يصفقون بحرارة..)

    الغزال : (مصعوقاً من موقف الأمير) أتكافئه يا مولاي؟!!

    عبد الرحمن : أتريدُني أن أعاقبَ عالِمَاً أنقذَ حياةَ إنسانٍ عليلٍ يا غزالُ؟! هل خلا قلبُكَ من الرحمة؟!! اسمعْ.. ما دامَ تأخِّرَ زريابُ عني رحمةً بالناسِ فإنّ ذلكَ مفخرةٌ لنا جميعاً. أَمّا وأنهُ كان يُغني لبغدادَ دونَ قرطبةَ فذلك حقّهُ يا غزال، أمْ نسيتَ أنّنا نشتاقُ إلى الشَامِ وأهْلها، أليستْ هي ديارَنَا الأولى يا غزال؟!!.

    (فجأة يخاطب الغزال بقسوة)
    انصرفْ، وَدَعْني معَ هؤلاءِ العلماءِ الأفاضلِ، أتعلَّمُ منهم ما ينفعُ الناسَ فيبقى لي عندَ الله. هيا.

    الغزال : حاضر. (ويندفع نحو الباب، ثم يتوقف مطرقاً برأسه إلى الأرض).

    عبد الرحمن : ما بك؟!!

    الغزال : (وكأنه يعتذر- يتقدم قليلاً ثم يلقي شعراً اخترعه الآن..)

    يُعَذِّبُني الصُّدودُ



    سَأَمْضي لا أعودُ




    عبد الرحمن : اِمْضِ إذنْ!!

    الغزال : (دهشاً من إجابة الأمير الحازمة)

    أَتستغنونَ عنِّي



    بعودٍٍ لا يُفيدُ؟!!




    عبد الرحمن : بلى نستغني عنكَ!!

    الغزال : (بدهشة، ولكن برجاء)

    أَيطرُدُني أَميري



    وشِعْري فيه عُودُ؟!




    عبد الرحمن : يا غزالُ أليسَ العودُ لا يُفيدُ؟!

    الغزال :

    إذا زِريابُ غنَّى



    بأَشعاري يَجُودُ




    زرياب : وبأشعارِ غَيْرِكَ يا غزالُ، لكنّكَ نسيتَ ألحاني!!

    الغزال :

    يُغنِّيها فتزهو



    كأنّ اليومَ عيدُ



    فعذراً يا رفاقي



    مَحَبَّتَكُمْ أُريدُ!!




    عبد الرحمن : (يضحك، ويضحك معه زرياب) أنتَ ذكيٌ يا غزالُ، اِرْجِعْ إِلينا… اِرْجِعْ (يعود الغزال ويقف بجانب الأمير) ما تقولُ يا أبا الحَسنِ؟!

    زرياب : ما يقولُ مولانا نقولُ. (وهو يقدم للأمير عوده الخاص) أَرجو يا مولايَ أن تَقْبَلوا هديتي المتواضِعَة.

    عبد الرحمن : أتُهديني عودَكَ؟!

    زرياب : عودُ زِريابَ لا يغلو على مولانا الأميرِ. فيصيرُ لديهِ جوهرتانِ؛ شِعْرُ الغزالِ وَعُودي!!

    الغزال : (مسروراً) اللهُ، الله (لزرياب) لقد غَلَبْتْنَي يا أبا الحَسنِ!!

    عبد الرحمن : (ينظر إلى العود دهشاً) ما هذا؟!.. إنه بخمسةِ أوتارٍ يا بنَ نافعٍ؟!

    زرياب : أضفْتُ بنفسي وَتَراً خامِساً بعدَ أن كانوا أربعةً، ولهذا تسمعُ يا مولايَ غناءً جميلاً وعَزْفاً مُعبِّراً!!

    عبد الرحمن : أحسنْتَ يا بنَ نافعٍ!! جزاكَ اللهُ عنَّا كلَّ خيرٍ.

    زرياب : (وهو يقدم ريشة نسر) وهذهِ مَعَهُ. ريشةُ نَسْرٍ بدلَ مِضْرابِ الخشَبْ.

    عبد الرحمن : (وهو يتأمل الريشة بفرح ودهشة) لله درُّكَ، تختَرِعُ لنا المآكلَ والمشاربَ، وتُعَلِّمُنا لُبْسَ الملابسِ حَسْبَ الفصول، وتداوي بالأنغام والألحانِ المرضى، وتُضيفِ وتراً خامساً للعودِ، وغيرُ ذلكَ كثيرٌ حتى تجرَّأْتَ على النسورِ الكواسرِ فجعلتَ ريشَها للأنغامِ الجميلةِ، فبماذا نكافئكَ؟!

    زرياب : بالرِّضى عمّا نفعلُهُ في سبيلِ الأندلسِ!!

    عبد الرحمن : قد رَضِينا، وبَعْدُ؟!!

    زرياب : بالأمانِ لي، ولأولادي، ولتلاميذي، ومعهدي!!

    عبد الرحمن : لكَ ما طلبْتَ يا أبا الحسنِ، مادامَ في قرطبةَ رجلٌ عظيمٌ مِثْلُكَ فإنها عظيمةٌ بإذنِ اللهِ!! (يلتفت إلى الغزال) يا غزالُ..

    الغزال : مولاي!!

    عبد الرحمن : أَنْشِدْنا شِعْراً على ألحانِ موسيقارِ الأندلسِ!!

    الغزال :حبَّاً وكرامةً.(ينهض بحماس ويلقي شعراً)

    لا يُماري(19) في الكلامْ



    هلْ لنا في النّاسِ ناصِحْ



    وَجْهُهُ بالإبتسامْ



    صادقٌ دوماً وطافِحْ



    لا عِتابٌ أو مَلامْ؟!!



    إنْ ظَلمناهُ يُسامِحْ




    (تصدح الموسيقا- ويسود الغناء والرقص الجميلان- ويتناوب زِرياب وهو يعزف على العود الغناءَ مع ابنته حمدونة أغنية الصلح والختام يجلس الأمير والغزال)





    زرياب:

    هلْ تجودْ



    يا نسيماً في خميلةْ




    بالصَّفا المعهودْ؟!




    لا تعودْ



    تلكُمُ الدُّنيا الجميلةْ




    دونَ صوتِ العودْ





    فارسلوا الألحانْ






    المجموعة:

    في ليالينا



    هاتوا شادينا




    عزفَ أوتارِ






    حمدونة:

    في أغانينا



    لا يُبارينا




    غَيْرُ أطيارِ








    زرياب:

    مِنْ هوى الأَوطانْ



    فاغزِلوا الألحانْ




    يا مغنُّونَا






    المجموعة:

    عُنْوانْ



    الوفا في طَبْعِنَا



    رَيْحَانْ



    والصَّفا في رُوحِنَا




    زرياب:

    مِيزانْ



    والهوى في قلْبِنَا




    المجموعة : والوطنْ؟!

    زرياب : حُبُّ الوطنْ

    حمدونة : إيمانْ

    المجموعة : حبُّ الوطنْ

    إيمانْ

    زرياب : حبُّ الوطنْ…

    إيمانْ

    (ينهض الأمير عبد الرحمن والغزال ويشاركان الجميع بهذا النشيد الاحتفالي العظيم عن الوطن)

    الجميع : حبُّ الوطنْ

    إيمانْ…..





    النهاية


      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة نوفمبر 24, 2017 2:07 am