منتدى المركز الثقافي لبلدية بليمور

منتدى للابداع و الثقافة

المواضيع الأخيرة

» كلمات × كلمات
الإثنين أغسطس 01, 2011 4:53 am من طرف foufou90

» قـوآرب فـي بحــر الـحــيـــــآة
الإثنين أغسطس 01, 2011 4:02 am من طرف foufou90

» برنامج تحويل الفلاش الي رام روعه
الخميس يونيو 16, 2011 7:56 pm من طرف Admin

» برنامج فك باسورد اي ملف مضغوط روعه
الخميس يونيو 16, 2011 7:54 pm من طرف Admin

» هل تعلم أسرار عالم النوم
الخميس يونيو 16, 2011 2:07 pm من طرف Admin

» أروع مــا قيــل فـى الغــزل
الخميس يونيو 16, 2011 1:58 pm من طرف Admin

» عشرون نصيحة للطلاب في الاختبارات
الخميس يونيو 16, 2011 3:00 am من طرف foufou90

» موضوع عن الرياء كلمة عن الرياء
الخميس يونيو 16, 2011 2:55 am من طرف foufou90

» حقائق ستنصدم بأنها مُجرّد خرافات
الخميس يونيو 16, 2011 2:45 am من طرف foufou90

التبادل الاعلاني

احداث منتدى مجاني

    - من الميلاد إلى البعث

    شاطر

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 453
    نقاط : 16672
    تاريخ التسجيل : 09/04/2011
    الموقع : بلدية بليمور

    - من الميلاد إلى البعث

    مُساهمة  Admin في الأربعاء مايو 11, 2011 2:11 pm


    2
    - من الميلاد إلى
    البعث




    1.2 انتساب محمد (صلَّى الله عليه وسلم) إلى أصل عريق من ناحية
    الأبوين:




    ولد محمد (صلَّى الله عليه وسلم) من أسرة
    زاكية المعدن، نبيلة النسب، جمعت خلاصة ما في العرب من فضائل، وترفعت عما يشينهم من
    أوضار، قال رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم) عن نفسه: "إن الله اصطفى كنانة من ولد
    إسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة ، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني
    هاشم".


    وعراقة الأصل لا تمنح الرجل الفاشل فضلاً،
    كالصلب إذا ترك للصدأ يمسي لا غناء فيه، أما إذا تعهدته اليد الصنّاع فإنها تبدع
    منه الكثير.


    ولذلك لما سئل النبي (صلَّى الله عليه
    وسلم): أي الناس أكرم؟ قال: "...فعن معادن العرب تسألوني؟" قالوا: نعم، قال:
    "فخيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا".


    وكان منبت محمد (صلَّى الله عليه وسلم) في
    أسرة لها شأنها، بعض ما أعد الله لرسالته من نجاح. فالمجتمع العربي الأول كان يقوم
    على العصبيات القبلية الحادة، العصبيات التي تفنى القبيلة كلها دفاعاً عن كرامتها
    الخاصة، وكرامة من يمت إليها.


    وقد ظل الإسلام حيناً من الدهر يعيش في حمى
    هذه التقاليد المرعية حتى استغنى بنفسه كما تستغني الشجرة عما يحملها بعد ما تغلظ
    وتستوي...


    وكان "لوط" يتمنى شيئاً من هذه التقاليد،
    عندما أحسّ الخطر على الأضياف النازلين به، ولم يجد عشيرة تدفع أو أهلاً تهيجهم
    الحمية، فقال لقومه:


    {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِي فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ
    مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ}. ثم قال:


    {لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ
    شَدِيدٍ}!!


    لكن محمداً عليه الصلاة والسلام، على كرم
    محتده لم يرزق حظاً وافراً من الثراء، فكانت قلة ماله مع شرف نسبه سبباً في أن يجمع
    في نشأته خير ما في طبقات الناس من ميزات. إن أبناء البيوتات الكبيرة تغريهم الثروة
    بالسطوة، فإذا فقدوا هذا السلاح، وكانت لهم تقاليد كريمة بذلوا جهوداً مضنية
    ليحتفظوا بمكانتهم وشممهم. ولذلك يقول قائلهم:


    وإنا -على عضِّ الزمان الذي بنا- نعالج من
    كره المخازي الدواهيا


    وربما لا يرى بعض الناس حرجاً من أن يعلن
    فاقته ويكشف صفحته.


    غير أن هناك بعضا آخر يطوون همومهم في
    همتهم، ثم يبرزون للدنيا مشمرين، ومن هؤلاء عبد المطلب...


    كان عبد المطلب سيد مكة ، بيد أن هذه
    السيادة التي انتهت إليه انتهت به ولم تستقر في عقبه، إذ اشتد ساعد منافسيهم في
    زعامة أم القرى، وبدا كأن الأمر سيؤول إليهم. بل إنْ هي إلا أعوام حتى تصدرت أسرة
    عبد شمس، ثم تمر أعوام أخرى فإذا أبو سفيان يتزعم مكة ، وبذلك تنتقل السيادة عن بني
    هاشم.


    و"عبدالله" أصغر أبناء عبد المطلب وله في
    قلبه منزلة جليلة، وقد زوجه بآمنة بنت وهَبْ، ثم تركه يسعى في الحياة وحده، فخرج
    وهو عروس بعد أشهر من بنائه بآمنة، خرج يضرب مناكب الأرض ابتغاء الرزق، وذهب في
    رحلة الصيف إلى الشام، فذهب ولم يعد... عادت القافلة تحمل أنباء مرضه، ثم جاء بعد
    قليل نعيه.


    وكانت آمنة تنتظر رجلها الشاب الجلد لتهنأ
    بمحياها معه؛ ولتشعره بأن في أحشائها جنيناً يوشك أن تقر به عينهما؛ غير أن
    القدر-لحكمة عليا- حسم هذه الأماني الحلوة، فأمست الزوج المحسودة
    أيِّماً.


    تعد الليالي لتودع الحياة الموحشة "يتيمها"
    الفريد...


    قال الزهري: أرسل عبد المطلب ابنه عبدالله
    إلى المدينة يمتار لهم تمراً فمات بها، وقيل بل كان بالشام، فأقبل في عير قريش ،
    فنزل بالمدينة وهو مريض، فتوفي بها ودفن في دار النابغة الجعدي وله خمس وعشرون سنة،
    وتوفي قبل أن يولد رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم).


    ولد محمد (صلَّى الله عليه وسلم) بمكة ولادة
    معتادة، لم يقع فيها ما يستدعي العجب أو يستلفت النظر، ولم يمكن المؤرخين تحديد
    اليوم والشهر والعام الذي ولد فيه على وجه الدقة؛ وأغلب الروايات تتجه إلى أن ذلك
    كان عام هجوم الأحباش على مكة سنة 570م في الثاني عشر من ربيع الأول 53
    ق.هـ.


    وتحديد يوم الميلاد لا يرتبط به من الناحية
    الإسلامية شيء ذو بال؛ فالأحفال التي تقام لهذه المناسبة تقليد دنيوي لا صلة له
    بالشريعة.


    وقد روى البعض أن إرهاصات بالبعثة وقعت قبل
    الميلاد؛ فسقطت أربع عشرة شرفة من إيوان كسرى؛ وخمدت النار التي يعبدها المجوس؛
    وانهدمت الكنائس حول بحيرة "ساوة" بعد أن غاضت. قال البوصيري:


    أبان مولده عن طيب عنصره يا طيب مبتدأ منه
    ومختتم


    يوم تفرَّس فيه الفرس إنهم قد أنذروا بحلول
    البؤس والنقم


    وبات إيوان كسرى وهو منصدع كشمل أصحاب كسرى
    غير ملتئم


    والنار خامدة الأنفاس من أسف عليه؛ والنهر
    ساهي العين من سدم


    وساء ساوة أن غاضت بحيرتها ورُد واردها
    بالغيظ حين ظمي




    وهذا الكلام تعبير غلط عن فكرة صحيحة فإن
    ميلاد محمد كان حقاً إيذاناً بزوال الظلم واندثار عهده واندكاك معالمه. وكذلك كان
    ميلاد موسى، ألا ترى أن الله لما وصف جبروت فرعون، واستكانة الناس إلى بغيه. ثم
    أعلن عن إرادته في تحرير العبيد واستنقاذ المستضعفين؛ فقصَّ علينا قصة البطل ثم
    أعلن عن هذه الأعمال فقال: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ
    أَرْضِعِيهِ...}.


    وقد كانت رسالة محمد بن عبدالله أخطر ثورة
    عرفها العالم للتحرر العقلي والمادي، وكان جند القرآن أعدل رجال وعاهم التاريخ،
    وأحصى فعالهم في تدويخ المستبدين وكسر شوكتهم، طاغية إثر طاغية.


    فلما أحب الناس -بعد انطلاقهم من قيود
    العسف- تصوير هذه الحقيقة، تخيلوا هذه الإرهاصات، وأحدثوا لها الروايات الواهية،
    ومحمد غني عن هذا كله؛ فإن نصيبه الضخم من الواقع المشرف يزهدنا في هذه الروايات
    وأشباهها.


    استقبل "عبد المطلب" ميلاد حفيده باستبشار
    وجذل، لعله رأى في مقدمه عوضاً عن ابنه الذي هصرت المنون شبابه. فحول مشاعره عن
    الراحل الذاهب إلى الوافد الجديد يكلؤه ويغالي به.


    ومن الموافقات الجميلة أن يُلْهم "عبد
    المطلب" تسمية حفيده "محمداً"! إنها تسمية أعانه عليها ملك كريم! ولم يكن العرب
    يألفون هذه الأعلام، لذلك سألوه: لم رغب عن أسماء آبائه؟ فأجاب: أردت أن يحمده الله
    في السماء، وأن يحمده الخلق في الأرض، فكأن هذه الإرادة كانت استشفافاً للغيب، فإن
    أحداً من خلق الله لا يستحق إزجاء عواطف الشكر والثناء على ما أدى وأسدى كما يستحق
    ذلك النبي العربي المحمَّد (صلَّى الله عليه وسلم).


    عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: "ألا
    تعجبون كيف يصرف الله عني شتم قريش ولعنهم؟ يشتمون مذمماً ويلعنون مذمماً وأنا
    محمد!".


    لكن الحقيقة القاسية -برغم حفاوة الجد
    الحنون- باقية. فإن "محمداً" يتيم، برز إلى الدنيا بعدما غادر أبوه الدنيا . ليكن!!
    ولنفرض عبدالله بقي حياً!! فماذا عسى أن يفعل لابنه؟ أكان يربيه ليهب له النبوة؟.
    ما كان له ذلك. إن الأب عنصر واحد من عناصر شتى تتحكم في مستقبل الطفل وتحفر له في
    الحياة مجراه. ولو كانت النبوة بالاكتساب ما قربتها حياة الوالد شبراً فكيف وهي
    اصطفاء؟.


    كان يعقوب حيَّاً يرزق، له شيخوخته وتجربته
    وحكمته؛ بل له نبوته. وقد نظر يوماً ما فلم يجد يوسف قريباً منه. إنه فقده في أخطر
    فترات العمر، فترة الصبا اللدن واليفاعة الغضة. ومع فساد البيئات التي احتوت يوسف
    فقد كان باطنه ينضح بالتقى والعفاف، كما يتقد المصباح في أعماء الليل المدلهم، فلما
    التقى الابن بوالده بعد لأي، رأى يعقوب ابنه نبياً صدِّيقاً...


    لقد ولى عبدالله وترك ابنه يتيماً، بيد أن
    هذا اليتيم كان يُعدُّ من اللحظة الأولى لأمر جلل، أمر يصبح به إمام المصطفينَ
    الأخيار. وما الأب والجد، ما الأقربون والأبعدون، ما الأرض والسماء إلا وسائل مسخرة
    لإتمام قدر الله، وإبلاغ نعمة الله من اصطنعه الله.


    أقبلت "آمنة" على ابنها تحنو عليه في انتظار
    المراضع المقبلات من البادية، يتلمسن تربية أولاد الأشراف. والأعرابيات اللاتي
    يقصدن مكة لهذه الغاية هن طالبات رزق ويسار. ولم يكن لمحمد أب تُرقَب عطاياه، أو
    غنى تغري جدواه. فلا عجب إذا زهدت فيه المراضع وتطلعن إلى غيره.


    وكانت "حليمة ابنة أبي ذؤيب" من قبيلة بني
    سعد إحدى القادمات إلى مكة ابتغاء العودة برضيع تستعين على العيش بحضانته. ولم يرض
    طموحها أول الأمر طفل يتيم؛ إلا أنها لم تجد طِلْبتها واستحيت أن تعود صفر اليدين،
    فرجعت إلى "آمنة" تأخذ منها "محمداً".


    وكانت البركة في مقدمه معها، كانت سنواتها
    عجافاً من قبله. فامتن الله عليها بخير مضاعف: درّت الضروع بعد جفاف، ولان العيش
    وأخصب، وشعرت حليمة وزوجها وولدها بأن أوبتهم من مكة كانت باليمن والغُنْم، لا
    بالفقر واليتم، مما زاد تعلقهم بالطفل وإعزازهم له.


    وتنشئة الأولاد في البادية، ليمرحوا في كنف
    الطبيعة، ويستمتعوا بجوها الطلق وشعاعها المرسل، أدنى إلى تزكية الفطرة، وإنماء
    الأعضاء والمشاعر، وإطلاق الأفكار والعواطف.


    إنها لَتعاسة أن يعيش أولادنا في شقق صغيرة
    من بيوت متلاصقة كأنها علب أغلقت على من فيها، وحرمتهم لذة التنفس العميق والهواء
    المنعش.


    ولا شك أن اضطراب الأعصاب الذي قارن الحضارة
    الحديثة يعود -فيما يعود إليه- إلى البعد عن الطبيعة، والإغراق في التصنع. ونحن
    نقدر لأهل مكة اتجاههم إلى البادية لتكون عَرَصاتها الفساح مدارج طفولتهم. وكثير من
    علماء التربية يود لو تكون الطبيعة هي المعهد الأول للطفل حتى تتسق مداركه مع حقائق
    الكون الذي وجد فيه، ويبدو أن هذا حلم عسر التحقيق.




    2.2 حادثة شق الصدر التي حدثت لمحمد (صلَّى الله عليه وسلم) في بني
    سعد:




    مكث "محمد" في مضارب "بني سعد" خمس سنوات،
    صح فيها بدنه واطَّرد نماؤه، وهذه السنوات الخمس هي عمر الطفل. فلا ينتظر أن يقع
    فيها شيء يذكر. غير أن السنن الصحاح سجلت في هذه الفترة ما عرف بعد بحادث "شق
    الصدر".


    عن أنس أن رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم)
    أتاه جبريل وهو يلعب مع الغلمان فأخذه، فصرعه، فشق عن قلبه، فاستخرجه، فاستخرج منه
    علقة، فقال: هذا حظ الشيطان منك: ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأمه، ثم
    أعاده إلى مكانه. وجاء الغلمان يسعون إلى أمه -يعني مرضعته- أن محمداً قد قتل.
    فاستقبلوه وهو منتقع اللون.


    وهذه القصة التي روعت حليمة وزوجها، ومحمد
    مسترضع فيهم، نجدها قد تكررت مرة أخرى ومحمد عليه الصلاة والسلام رسول جاوز الخمسين
    من عمره، فعن مالك بن صعصعة أن رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم) حدثهم عن ليلة
    أسري به قال: بينا أنا في الحطيم -وربما قال في الحِجْر- مضطجع بين النائم واليقظان
    أتاني آت، فشق ما بين هذه إلى هذه -يعني ثغرة نحره إلى شعرته- قال: فاستخرج قلبي:
    ثم أتيت بطست من ذهب مملوء إيماناً، فغسل قلبي، ثم حشي ثم
    أعيد....


    لو كان الشر إفراز غدة في الجسم ينحسم
    بانحسامها؛ أو لو كان الخير مادة يزود بها القلب كما تزود الطائرة بالوقود فتستطيع
    السمو والتحليق.. لقلنا: إن ظواهر الآثار مقصودة. ولكن أمر الخير والشر أبعد من
    ذلك؛ بل من البديهي أنه بالناحية الروحية في الإنسان ألصق. وإذا اتصل الأمر بالحدود
    التي يعمل الروح في نطاقها، أو بتعبير آخر عندما ينتهي البحث إلى ضرورة استكشاف
    الوسائل التي يسيِّر بها الروح هذا الغلاف المنسوج من اللحم والدم، يصبح البحث لا
    جدوى منه، لأنه فوق الطاقة.


    وشيء واحد هو الذي نستطيع استنتاجه من هذه
    الآثار، أن بشراً ممتازاً كمحمد لا تدعه العناية غرضاً للوساوس الصغيرة التي تناوش
    غيره من سائر الناس. فإذا كانت للشر "موجات" تملأ الآفاق، وكانت هناك قلوب تسرع إلى
    التقاطها والتأثر بها فقلوب النبيين -بتولي الله لها- لا تستقبل هذه التيارات
    الخبيثة ولا تهتز لها. وبذلك يكون جهد المرسلين في "متابعة الترقي" لا في "مقاومة
    التدلي" وفي تطهير العامة من المنكر لا في التطهر منه، فقد عافاهم الله من
    لوثاته.


    عن عبدالله بن مسعود قال رسول الله (صلَّى
    الله عليه وسلم): "ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من
    الملائكة". قالوا: وإياك يا رسول الله قال: "وإياي، إلا أن الله أعانني عليه فأسلم،
    فلا يأمرني إلا بخير".


    وفي حديث عن عائشة، قال لها رسول الله
    (صلَّى الله عليه وسلم). أغِرتِ؟ قالت: وما لمثلي لا يغار على مثلك! فقال لها رسول
    الله (صلَّى الله عليه وسلم): لقد جاءك شيطانك! قالت: أو معي شيطان؟ قال: ليس أحد
    إلا ومعه شيطان. قالت: ومعك؟ قال نعم، ولكن أعانني الله عليه فأسلم أي انقاد وأذعن
    فلا يستطيع أن يهجس بشر.


    ولعل أحاديث شق الصدر تشير إلى هذه الحصانات
    التي أضفاها الله على محمد (صلَّى الله عليه وسلم) فجعلته من طفولته بنجوة قصية عن
    مزالق الطبع الإنساني ومفاتن الحياة الأرضية، وقد أورد الخازن في تفسيره القصة
    الأولى -أيام الرضاعة- عند تفسيره لقول الله عز وجل: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ
    صَدْرَكَ. وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ. الَّذِي أَنقَضَ
    ظَهْرَكَ..}.


    وشرح الصدر الذي عنته الآيات ليس نتيجة
    جراحة يجريها مَلَك أو طبيب ويحسن أن تعرف شيئاً عن أساليب الحقيقة والمجاز التي
    تقع في السنة.


    عن عائشة أن بعض أزواج النبي (صلَّى الله
    عليه وسلم) قلن: يا رسول الله، أينا أسرع بك لحوقاً؟ قال: أطولكن يداً. فأخذن قصبة
    يذرعنها فكانت سودة أطولهن يداً، فعلمنا بعد أنما كان طول يدها بالصدقة. وكانت تحب
    الصدقة وكانت أسرعنا لحوقا به....


    آب "محمد" (صلَّى الله عليه وسلم) إلى مكة
    بعد أعوام طيبة قضاها في البادية،... آب ليجد أماً كريمة حبست نفسها عليه، وشيخاً
    مهيباً يلتمس في مرآه العزاء عن ابنه الذي خلّى مكانه في شرخ الشباب. وكأن الأيام
    أبت له قراراً بين هذه الصدور الرقيقة، فأخذت تحرمه منها، واحداً بعد
    الآخر.


    رأت "آمنة" -وفاء لذكرى زوجها الراحل- أن
    تزور قبره بـ "يثرب" فخرجت من "مكة" قاطعة رحلة تبلغ خمسمائة كيلومتر في الذهاب غير
    مثيلتها في الإياب، ومعها في هذه السفرة الشاقة ابنها "محمد" (صلَّى الله عليه
    وسلم) وخادمتها "أم أيمن" وعبدالله لم يمت في أرض غريبة فقد مات بين أخواله بني
    النجار. قال ابن الأثير:


    إن هاشماً شخص في تجارة إلى الشام فلما قدم
    المدينة نزل على عمرو بن لبيد الخزرجي، فرأى ابنته


    سلمى" فأعجبته، فتزوجها، وشرط أبوها ألا تلد
    ولداً إلا في أهلها، ثم مضى هاشم لوجهه. وعاد من الشام فبنى بها في أهلها ثم حملها
    إلى مكة فحملت. فلما أثقلت ردها إلى أهلها ومضى إلى الشام فمات بـ "غزة" وولدت له
    "سلمى" عبد المطلب فمكث في المدينة سبع سنين...".


    وقد ظل محمد عليه الصلاة والسلام لدى أخواله
    قريباً من قبر أبيه نحو شهر. ثم قفل عائداً إلى مكة. وإذا المرض يلاحق أمه ويلح
    عليها في أوائل الطريق فماتت بـ "الأبواء" وتركته وحيداً مع الخادم المشدوهة لحال
    طفل يفقد أباه وهو جنين، ويفقد أمه وهو ابن خمس سنين.


    إن المصاب الجديد نكأ الجروح القديمة مما
    جعل مشاعر الحنو في فؤاد "عبد المطلب" تربو نحو الصبي الناشىء، فكان لا يدعه لوحدته
    المفروضة، بل يؤثر أن يصحبه في مجالسه العامة. كان إذا جلس على فراشه بجوار الكعبة،
    أدناه منه في حين يجلس الشيوخ حوله.


    وقد تأخرت سن عبد المطلب حتى قيل: إنه توفي
    وله مائة وعشرون سنة إلا أنه فارق الحياة وعمر "محمد" يناهز الثمانية. فرأى -قبل
    وفاته- أن يعهد بكفالة حفيده إلى عمه أبي طالب.


    ونهض أبو طالب بحق ابن أخيه على أكمل وجه،
    ضمه إلى ولده وقدمه عليهم، واختصه بفضل احترام وتقدير. وظل فوق أربعين سنة يعز
    جانبه ويبسط عليه حمايته، ويصادق ويخاصم من أجله.


    ودرج محمد عليه الصلاة والسلام في بيت أبي
    طالب والسن تمضي به قدماً إلى الوعي العميق بما حوله. فأصر على أن يشارك عمه هموم
    العيش، إذ كان أبو طالب -على كثرة أولاده- قليل المال، فلما قرر أن يمضي على سنن
    آبائه في متابعة الرحيل إلى الشام ابتغاء الاتجار والربح قرر أن يكون معه. وكان
    عمره نحو الثلاث عشرة سنة.




    3.2 بحيرا الراهب وتفرسه بنبوة محمد (صلَّى الله عليه وسلم) في
    رحلته مع عمه إلى الشام:




    ولا نجد في السنن الصحاح أنباء تصف هذه
    الرحلة. إن الأسفار من أخصب أبواب المعرفة، وأعمقها أثراً. ومثل محمد عليه الصلاة
    والسلام في صفاء ذهنه ونقاء قلبه، لا يعزب عنه وجه العبرة فيما يرى، في حله أو
    ترحاله، على ان من المقطوع به أنه لم يخرج لدراسة دين أو فلسفة، ولم يلق من يتحدث
    معه في ذلك، وقد روت كتب الأخبار بعض خوارق، ذكرت أنها وقعت له، من ذلك التقاؤه
    بالراهب "بحيرا" الذي تفرس فيه ورأى معالم النبوة في وجهه وبين كتفيه، فلما سأل أبا
    طالب: ما هذا الغلام منك؟ قال: ابني، قال: ما ينبغي أن يكون أبوه حياً! قال: فإنه
    ابن أخي مات أبوه وأمه حبلى به. قال صدقت، ارجع به إلى بلدك واحذر عليه
    يهود.


    وقد تكون هذه القصة صحيحة. فإن البشارة بنبي
    بعد عيسى عليه السلام موجودة في الكتاب المقدس عند النصارى. وهم -منذ تكذيبهم
    برسالة محمد عليه الصلاة والسلام- يرقبون هذا النبي المنتظر، ولن يجيء أبداً...
    لأنه جاء فعلاً..!


    وسواء صحت قصة "بحيرا" هذه أم بطلت فمن
    المقطوع به أنها لم تخلف بعدها أثراً، فلا محمد -عليه الصلاة والسلام- تشوَّف
    للنبوة أو استعد لها -لكلام الراهب- ولا أصحاب القافلة تذاكروا هذا الحديث أو
    أشاعوه. لقد طويت كأن لم تحدث مما يرجح استبعادها.


    وقيل أيضاً؛ إن كوكبة من فرسان الروم أقبلت
    على "بحيرا" كأنها تبحث عن شيء. فلما سألها: ما جاء بكم؟ قالوا: جئنا لأن نبياً
    يخرج هذا الشهر. فلم يبق طريق إلا بعث إليها ناس -للقبض عليه (!) فجادلهم "بحيرا"
    حتى أقنعهم بعبث ما يطلبون.


    والمحققون على أن هذه الرواية موضوعة مضاهاة
    لما يذكره الإنجيليون من أن ناساً طلبوا المسيح عقب ولادته لقتله، وهي عند
    المسيحيين مضاهاة لما عند الوثنيين من أن بوذا لما وضعته أمه العذراء (!) طلبه
    الأعداء ليقتلوه..


    إن علماء السنة يهتمون بالأخبار الواردة -من
    ناحيتي المتن والسند- فإذا لم تفد علماً ثابتاً، أو ظناً راجحاً لم يكترثوا بها.
    وقد انضمت أساطير كثيرة إلى سير المرسلين. وعندما تعرض على القواعد المقررة في فن
    التحديث يظهر عوارها ويساغ اطّراحها.




    4.2 حياة الكدح واشتغال محمد (صلَّى الله عليه وسلم) برعي الغنم ومن
    ثم بالتجارة:




    عاد محمد عليه الصلاة والسلام من هذه الرحلة
    ليستأنف مع عمه حياة الكدح، فليس من شأن الرجال أن يقعدوا. ومن قبله كان المرسلون
    يأكلون من عمل أيديهم، ويحترفون مهناً شتى ليعيشوا على كسبها. وقد صح أن محمداً
    -عليه الصلاة والسلام- اشتغل صدر حياته برعي الغنم وقال: "كنت أرعاها على قراريط
    لأهل مكة"... كما ثبت أن عدداً من الأنبياء اشتغل برعايتها، أترى ذلك تعويداً لهم
    على سياسة العامة، والرفق بالضعفاء والسهر على حمايتهم؟؟


    وقد تسأل: أتنقدح المعارف المتصلة بالكون
    وما وراءه، والناس وما يفيضون فيه -أتنقدح حقائقها في نفوس المرسلين فجأة، دون
    إعداد سابق أو تهيئة حكيمة؟


    والجواب: كلا، فالأنبياء -وإن لم يتعلّموا
    بالطرق التي يتعلم بها أمثالنا- لهم من سلامة فكرهم واستقامة نظرهم ما يجعلهم في
    طليعة العلماء وإن لم يتعلموا بما نعهد من أساليب.


    ما العلم الذي ترقى به النفس؟ أ هو حفظ
    الدروس واستيعاب القواعد والقوانين؟.


    إن هناك ببغاوات كثيرة تردد ما تسمع دون
    وعي. ولقد نرى أطفالاً صغاراً يلقون -بإتقان وتمثيل- خطباً دقيقة لأشهر الساسة
    والقادة.


    فلا الأطفال -بما استحفظوا من كلام الأئمة-
    أصبحوا رجالاً ولا الببغاوات تحولت بشراً.


    وقد تجد من يحفظ، ويفقه، ويجادل ويغلب، ولكن
    العلم في نفسه كعروق الذهب في الصخور المهملة، لا يبعث على خير ولا يزجر عن
    شر.


    وقد شبه القرآن أحبار اليهود الذين يحملون
    التوراة ولا يتأدبون بها بالحمير {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ
    لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا}.


    وهذه الطبائع التي تحمل العلم لا تصلح به
    إنما تسيء إليه، ولذلك يحسن الضن به عليها. وفي الأثر "واضع العلم عند غير أهله
    كمقلد الخنازير الجوهر واللؤلؤ والذهب".


    ثم هناك الخرافيون الذين يغالطون في الحقائق
    أنفسهم كأن عقولهم ميزان ثقلت إحدى كفتيه -لغير سبب- فهو لا يضبط وزناً أبداً،
    ينبسطون للمستحيلات ويقبلونها. ويتجهمون للوقائع ويرفضونها.


    وقد بلونا أناساً ظلوا يتعلمون قرابة عشرين
    سنة تعرض عليهم القضية فيخبطون فيها خبط عشواء، فإذا عرضت القضية نفسها على أميّ
    سليم الفطرة نقيّ العقل صدع فيها بالحق لأول وهلة. ومعنى ذلك أن هناك من تبذل في
    إقامة عوجه العقلي عشرين سنة، حافلة بالبحث والدرس، فتعجز عن الوصول به إلى مرتبة
    رجل أوتي رشده بأصل الخلقة.


    ونحن موقنون من مطالعة سيرة محمد عليه
    الصلاة والسلام بأنه طراز رفيع من الفكر الصائب والنظر السديد، وأنه -قبل رعي الغنم
    وبعده، وقبل احتراف التجارة وبعدها-كان يعيش يقظ القلب في أعماء الصحراء، صاحياً
    بين السكارى والغافلين.


    وجو الجزيرة العربية يزيد خمول الخامل وحدة
    اليقظان، كالشعاع الذي ينمي الأشواك والورود معاً، وقد كان محمد (صلَّى الله عليه
    وسلم) يستعين بصمته الطويل... صمته الموصول بالليل والنهار، صمته المطبق على الرمال
    الممتدة والعمران القليل. كان يستعين بهذا الصمت على طول التأمل، وإدمان الفكر،
    واستكناه الحق. ودرجة الارتقاء النفسيِّ التي بلغها من النظر الدائم أرجح يقيناً من
    حفظ لا فهم فيه، أو فهم لا أدب معه. ومثله في احترام حقائق الكون والحياة أولى
    بالتقديم من أولئك الذين اعتنقوا الأوهام وعاشوا بها ولها.


    ولا شك أن القدر حاطه بما يحفظ عليه هذا
    الاتجاه الفذ. فعندما تتحرك نوازع النفس لاستطلاع بعض متع الدنيا -وذلك من قبيل
    الصغائر التافهة- تتدخل العناية للحيلولة بينه وبين هذه الأمور.


    روى ابن الأثير قال رسول الله (صلَّى الله
    عليه وسلم): "ما هممت بشيء مما كان أهل الجاهلية يعملونه غير مرتين، كل ذلك يحول
    الله بيني وبينه، ثم ما هممت به حتى أكرمني برسالته. قلت ليلة للغلام الذي يرعى معي
    بأعلى مكة : لو أبصرت لي غنمي حتى أدخل مكة وأسمر بها كما يسمر الشباب! فقال: أفعل.
    فخرجت حتى إذا كنت عند أول دار بمكة سمعت عزفاً، فقلت: ما هذا؟ فقالوا: عرس فلان
    بفلانة. فجلست أسمع، فضرب الله على أذني فنمت فما أيقظني إلا حر الشمس. فعدت إلى
    صاحبي، فسألني، فأخبرته. ثم قلت له ليلة أخرى مثل ذلك ودخلت مكة فأصابني مثل أول
    ليلة.. ثم ما هممت بعده بسوء...".


    إن مراتب التعليم المختلفة هي مراحل جهاد
    متصل لتهذيب العقل وتقوية ملكاته وتصويب نظرته إلى الكون والحياة والأحياء. فكل
    تعليم يقصر بأصحابه عن هذا الشأو لا يؤبه له، مهما وسم بالشهادات والإجازات! وأحق
    منه بالحفاوة، وأسبق منه إلى الغاية المنشودة، أن ينال المرء حظاً وافراً من حسن
    الفطنة وأصالة الفكرة وسداد الوسيلة والهدف. وقد أشار القرآن الكريم إلى نصيب
    "إبراهيم" من هذه الخصال عندما قال:


    {وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا
    بِهِ عَالِمِينَ. إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ
    الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ}.


    ومحمد عليه الصلاة والسلام في هذا المنهج
    كجده إبراهيم: إنه لم يتلق علماً على راهب أو كاهن أو فيلسوف ممن ظهروا على عهده،
    ولكنه بعقله الخصب وفطرته الصافية. طالع صحائف الحياة وشؤون الناس وأحوال الجماعات،
    فعاف منها ماسادها من خرافة ونأى عنها، ثم عاشر الناس على بصيرة من أمره وأمرهم،
    فما وجده حسناً شارك فيه بقدر، وإلا عاد إلى عزلته العتيدة، يتابع النظر الدائم في
    ملكوت السموات والأرض وذلك أجدى عليه من علوم هي بالجهل المركب أشبه، ومن مجتمع فقد
    الهداة من قرون فهو يضم ضلالاً جديداً إلى الضلال القديم كلما مرت عليه ليلة وطلع
    صباح..


    وقد رأى أن يشهد الأعمال العامة التي اهتم
    بها قومه، لأنه لم يجد أي حرج إذ يشارك فيها، ومن ذلك خوضه مع عمومته وقبيلته "حرب
    الفجار" ثم شهوده من بعد "حلف الفضول".




    5.2 حرب الفجار أول حرب شهدها محمد (صلَّى الله عليه وسلم) في
    الجاهلية:




    كانت حرب الفجار بالنسبة إلى قريش دفاعاً عن
    قداسة الأشهر الحرم ، ومكانة أرض الحرم . وهذه الشعائر بقية مما احترمه العرب من
    دين إبراهيم، وكان احترامها مصدر نفعٍ كبيرٍ لهم، وضماناً لانتظام مصالحهم وهدوء
    عداواتهم. كان الرجل يلقى قاتل أبيه خلالها فيحجزه عن إدراك ثأره شعوره بهذه
    الحرمات. وقد جاء الإسلام بعدُ فأقر هذه المكانة الموروثة عن ديانة
    إبراهيم:


    {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا
    فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ
    حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ
    أَنْفُسَكُمْ..}.


    ولكن أهل الجاهلية ما لبثوا أن ابتُلوا بمن
    استباحها، فظلموا أنفسهم بالقتال فيها، وكانت حرب الفجار من آثار هذه الاستباحة
    الجائرة، وليس هنا تفصيل خبرها وقد ظلت أربعة أعوام كان عمر "محمد" في أثنائها بين
    الخمسة عشر والتسعة عشر، قيل: قاتل فيها بنفسه. وقيل: بل أعان
    المقاتلين...






    6.2 حلف الفضول شهده الرسول (صلَّى الله عليه وسلم) في الجاهلية
    ومدحه في الإسلام:




    أما "حلف الفضول" فهو دلالة على أن الحياة
    مهما اسودت صحائفها، وكلحت شرورها، فلن تخلو من نفوس تهزها معاني النبل، وتستجيشها
    إلى النجدة والبر.


    ففي الجاهلية الغافلة نهض بعض الرجال من
    أولي الخير، وتواثقوا بينهم على إقرار العدالة وحرب المظالم، وتجديد ما اندرس من
    هذه الفضائل في أرض الحرم !.


    قال ابن الأثير: "...ثم إن قبائل من قريش
    تداعت إلى ذلك الحلف، فتحالفوا في دار عبدالله بن جدعان لشرفه وسنه. وكانوا بني
    هاشم، وبني المطلب، وبني أسد بن عبد العزَّى، وزهرة بن كلاب، وتَيْم بن مرة.
    فتحالفوا وتعاقدوا ألا يجدوا بمكة مظلوماً من أهلها أو من غيرهم من سائر الناس إلا
    قاموا معه؛ وكانوا على من ظلمه، حتى تردَّ مظلمته فسمّت قريش ذلك الحلف "حلف
    الفضول" فشهده رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم) وقال -حين أرسله الله تعالى-: لقد
    شهدت مع عمومتي حلفاً في دار عبدالله بن جدعان ما أحبّ أن لي به حُمْر النَّعَم،
    ولو دُعيت به في الإسلام لأجبت".


    إن بريق الفرح -بهذا الحلف- يظهر في ثنايا
    الكلمات التي عبر بها رسول الله عنه، فإن هذه الحمية للحق ضدَّ أي ظالم مهما عزَّ،
    ومع أي مظلوم مهما هان هي روح الإسلام الآمر بالمعروف، الناهي عن المنكر، الواقف
    عند حدود الله. ووظيفة الإسلام أن يحارب البغي في سياسات الأمم، وفي صلات الأفراد
    على سواء..


    وقيل في سبب الحلف: إن رجلاً من "زبيد" أتى
    بتجارة إلى مكة ، فاشتراها العاصي بن وائل السهمي. ثم حبس حقها وأبى أن يدفعه!
    فاستعدى عليه قبائل قريش والأحلاف فلم يكترثوا له. فوقف الغريب المظلوم عند الكعبة
    وأنشد:


    يا آل فهر لمظلوم بضاعتـــــــــــه ببطن
    مكة نائي الدارِ والنَّفَر!


    ومحرم أشعث لم يقض عمرتـــــــه يا للرجال
    -وبين الحِجْر والحَجَرِ!


    إن الحرامَ لمَنْ تمت كرامتــــــــــــه
    ولا حرام بثوب الفاجرِ الغدرِ




    فقام الزبير بن عبد المطلب وقال: ما لهذا
    مترك! فاجتمع الذين ذكرهم ابن الأثير آنفاً، وذهبوا إلى العاصي بن وائل، واستخلصوا
    منه حق الزبيدي. بعدما أبرموا حلف الفضول.


    ويظهر أن العاصي هذا رجل مماطل سمج. فهو
    صاحب القصة كذلك مع خبّاب بن الأرت. وكان خباب قَيْناً، فصنع سيفاً للعاصي وأتاه
    لينقده ثمنه، فقال العاصي: لا أعطيك حتى تكفر بمحمد، فقال له خباب: لا أكفر حتى
    يميتك الله ثم تبعث. قال العاصي: وإني لميت ثم مبعوث؟؟ قال: بلى . قال: دعني حتى
    أموت وأبعث. فسأوتى مالاً وولداً، فأقضيك -حق السيف- فنزلت
    الآيات:


    {أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ
    مَالًا وَوَلَدًا. أَاطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمْ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَانِ
    عَهْدًا. كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنْ الْعَذَابِ مَدًّا.
    وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا}.


    وأمثال العاصي هذا في ميدان التجارة
    والسياسة كثير. ومحمد (صلَّى الله عليه وسلم) أولى الناس بخصومتهم. وأولى الناس
    بمحمد (صلَّى الله عليه وسلم) من أعان عليهم ووثق على حربهم.




      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة نوفمبر 16, 2018 10:54 am