منتدى المركز الثقافي لبلدية بليمور

منتدى للابداع و الثقافة

المواضيع الأخيرة

» كلمات × كلمات
الإثنين أغسطس 01, 2011 4:53 am من طرف foufou90

» قـوآرب فـي بحــر الـحــيـــــآة
الإثنين أغسطس 01, 2011 4:02 am من طرف foufou90

» برنامج تحويل الفلاش الي رام روعه
الخميس يونيو 16, 2011 7:56 pm من طرف Admin

» برنامج فك باسورد اي ملف مضغوط روعه
الخميس يونيو 16, 2011 7:54 pm من طرف Admin

» هل تعلم أسرار عالم النوم
الخميس يونيو 16, 2011 2:07 pm من طرف Admin

» أروع مــا قيــل فـى الغــزل
الخميس يونيو 16, 2011 1:58 pm من طرف Admin

» عشرون نصيحة للطلاب في الاختبارات
الخميس يونيو 16, 2011 3:00 am من طرف foufou90

» موضوع عن الرياء كلمة عن الرياء
الخميس يونيو 16, 2011 2:55 am من طرف foufou90

» حقائق ستنصدم بأنها مُجرّد خرافات
الخميس يونيو 16, 2011 2:45 am من طرف foufou90

التبادل الاعلاني

احداث منتدى مجاني

    - جهاد الدعوة

    شاطر

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 453
    نقاط : 14732
    تاريخ التسجيل : 09/04/2011
    الموقع : بلدية بليمور

    - جهاد الدعوة

    مُساهمة  Admin في الأربعاء مايو 11, 2011 2:15 pm

    3
    - جهاد الدعوة




    1.3 تنزل
    الوحي على رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم):




    تقلّصت ظلال الحَيْرة ، وثبتت أعلام
    الحقيقة، وعرف محمد عليه الصلاة والسلام معرفة اليقين أنه أضحى نبياً لله الكبير
    المتعال، وأن ما جاءه سفير الوحي ينقل إليه خبر السماء..! إلا أن الروعة التي
    انتابته من هذه الصلة بين إنسان وملك، تركت في نفسه أثراً من الجهد، كأنما كان
    يعالج عملا مرهقاً صعباً.


    ولا عجب فقد ظل يعاني من التنزيل شدة أمداً
    طويلاً، وشاء الله أن يفتر الوحي بعد ابتدائه على النحو الذي أسلفنا حتى يكون
    تشوُّف الرسول (صلَّى الله عليه وسلم) وارتقابه لمجيئه سبباً في ثباته واحتماله
    عندما يعود، ومع ذلك فإن الطاقة البشرية ناءت أمام وطأته.


    جاء جبريل عليه السلام للمرة الثانية، قال
    جابر بن عبدالله: سمعت رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم) يحدِّث عن فترة الوحي،
    فقال لي في حديثه: فبينا أنا أمشي سمعت صوتاً من السماء فرفعت رأسي، فإذا الملك
    الذي جاءني بحراء جالساً على كرسي بين السماء والأرض، ففزعت منه حتى هويت على
    الأرض، فجئت إلى أهلي، فقلت: زملوني زملوني، فدثروني...


    فأنزلَ الله عز وجل:

    {يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ. قُمْ فَأَنذِرْ. وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ.
    وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ. وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ..}.


    كانت هذه الأوامر المتتابعة القاطعة إيذاناً
    للرسول (صلَّى الله عليه وسلم) بأن الماضي قد انتهى بمنامه وهدوئه وسلامه، وأنه
    أمام عمل جديد يستدعي اليقظة والتشمير، والإنذار والإعذار، فليحمل الرسالة، وليوجه
    الناس، وليأنس بالوحي، وليقوَ على عنائه، فإنه مصدر رسالته ومدد
    دعوته.


    والوحي إلهام ينضح على القلب بمراد الله في
    صورة واضحة لا تحتمل الريبة وله مراتب شتى بعضها أيسر من بعض. فعن عمر "كان رسول
    الله (صلَّى الله عليه وسلم) إذا نزل عليه الوحي، يسمع عند وجهه كدوي
    النحل".


    وكان أحياناً يأتي في مثل صلصة الجرس -وكان
    أشده عليه- فيلتبس به الملك، حتى إن جبينه ليتفصد عرقاً في اليوم الشديد البرد وحتى
    إن راحلته لتبرك به على الأرض إذا كان راكبها، ولقد جاءه الوحي مرة كذلك وفخذه إلى
    فخذ زيد بن ثابت فثقلت عليه حتى كادت ترضُّها. وقد يأتي أيسر من ذلك
    وأخف.


    وربما قيل: لماذا كانت أوائل الوحي بهذه
    المثابة من الشدة؟ ولماذا لم يبدأ نزول القرآن إلهاماً في منام. أو إلهاماً في يقظة
    على نحو ما قال رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم): "إن روح القدس نفث في روعي أنه
    لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب..." أَوَ ليس هذا أبعد
    عن دواعي الفزع والإعياء؟؟؟.


    والجواب أن نزول القرآن اتخذ هذه الطريقة
    أول الأمر، ونزل الملك به في هذا المظهر قطعاً لكل شبهة في أنه ألفاظاً ومعاني من
    عند الله، وأن محمداً حُمِّلَه تحميلا بعد أن اصطفيَ له واختص به. فهو ليس افتعال
    عابد منقطع تخيل فخال، ولا صناعة فيلسوف ماهر يجيد سوق الأدلة وتنميق المقال، إنما
    هو كلام الأحد الحق الكبير المتعال:


    {إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى. عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى. ذُو
    مِرَّةٍ فَاسْتَوَى. وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى. ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى.
    فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى. فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى.مَا
    كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى. َفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا
    يَرَى}..؟




    2.3 دين محمد الجديد إلام يدعو الناس؟



    شرع محمد (صلَّى الله عليه وسلم) يكلم الناس
    في الإسلام ويعرض عليهم الأخذ بهذا الدين الذي أرسله الله به.


    وسور القرآن الذي نزل بمكة تبين العقائد
    والأعمال التي كلف الله بها عباده وأوصى رسوله أن يتعهد قيامها ونماءها، وأول
    ذلك:


    1- الوحدانية المطلقة: فالإنسان ليس عبداً لكائن في الأرض أو عنصر
    في السماء، لأن كل شيء في السماء والأرض عبد لله، يعنو لجلاله ويذل في ساحته ويخضع
    لحكمه، وليس هناك شركاء ولا شفعاء ولا وسطاء، ومن حق كل امرىء أن يهرع إلى ربه
    رأساً غير مستصحب معه خلقاً آخر، كبر أو حقر. وحق على كل امرىء أن ينكر من أقاموا
    أنفسهم أو أقامهم غيرهم زلفى إلى الله، وأن ينزل بهم إلى مكانهم المحدود إن كانوا
    بشراً أو حجارة أو ما سوى ذلك، ويجب أن تبنى جميع الصلات الفردية والجماعية على
    أساس تفرد الله في ملكوته بهذه الوحدانية التامة.


    ونتيجة هذه العقيدة أن الحجارة التي يعبدها
    العرب أصبحت لا تزيد عن الحجارة التي تبنى بها البيوت أو ترصف بها الطرق، وأن البشر
    الذين ألهوا في ديانات أخرى صحِّحت أوضاعهم، فعرفوا على أنهم عبيد لمن خلقهم
    ورزقهم، يتقدمون عنده بالطاعة، ويتأخرون بالمعصية. ولا شأن لهم في خلق أو
    رزق.


    2- الدار الآخرة: فهناك يوم لا شك في قدومه، يلقى الناس فيه ربهم
    فيحاسبهم حساباً دقيقاً على حياتهم الأولى: "فمنْ يعْمل مثقال ذرة خيراً يره. ومن
    يعمل مثقال ذرة شراً يره": فإما نعيم ضاحك يمرح فيه الأخيار ويستريحون، وإما جحيم
    مشئومة، يشقى فيها الأشرار ويكتئبون...


    والنظر إلى الدار الآخرة في كل عمر يأتيه
    المرء أو يذره من أصول السلوك الصحيح في الإسلام. فكما أن راكب القطار موقن بأنه
    سينزل في محط قادم فكذلك المسلم يعلم أن الأيام الجارية به ستقف -حتماً- لترده إلى
    مولاه، حيث يلقى جزاء العمر، ويجني ما غرست يداه..


    3- تزكية النفس: وذلك بلزوم عبادات معينة شرعها الله عز وجل، وترك
    أموراً أخرى حذراً من مغبتها:


    {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا
    تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا
    أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا
    الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي
    حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ
    تَعْقِلُونَ. وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
    حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا
    نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَاوَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا
    قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ
    تَذَكَّرُونَ. وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا
    تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ
    لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}.


    قال أكثم بن صيفي: "إن ما جاء به محمد عليه
    الصلاة والسلام لو لم يكن ديناً لكان في خُلق الناس حسناً".


    4-حفظ كيان الجماعة المسلمة: باعتبارها وحدة متماسكة تقوم على
    الأخوة والتعاون، وذلك يقتضي نصرة المظلوم، وإعطاء المحروم، وتقوية الضعيف. وفي
    سورة "المدثر" -وهي أول سورة أمر الرسول فيها بالبلاغ- تقرأ قول الله تبارك
    وتعالى:


    {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ. إِلَّا أَصْحَابَ
    الْيَمِينِ. فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ. عَنْ الْمُجْرِمِينَ. مَا سَلَكَكُمْ فِي
    سَقَرَ. قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ. وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ.
    وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ. وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ.
    حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ. فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ
    الشَّافِعِينَ}.


    وكان أبو بكر لا يرى مستضعفاً يعذَّب من
    المسلمين، إلا بذل جهده وماله في سبيل فك إساره وإنقاذه مما به، وذلك حق الفرد على
    الجماعة.




    3.3 الرعيل الأول الذي صدق بنبوة محمد (صلَّى الله عليه وسلم)
    ورسالته:




    أخذت الدعاية للإسلام تنتشر في مكة وتعمل
    عملها في أصحاب الأفئدة الكبيرة، فسرعان ما يطرحون جاهليتهم الأولى ويخفُّون إلى
    اعتناق الدين الجديد، وكانت آيات القرآن تنزل على القلوب التي استودعت بذور الإيمان
    كما ينزل الوابل على التربة الخصبة:


    {فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ
    وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ}.


    كان أصحاب العقائد يتجمعون -في تؤدة- حول
    عقائدهم، ويلتفون -في حب وإعجاب- حول إمامهم، ويشرحون -في حذر- أصول
    فكرتهم.


    والإيمان قوة ساحرة، إذا استمكنت من شعاب
    القلب وتغلغلت في أعماقه تكاد تجعل المستحيل ممكناً.


    ولقد رأينا شباباً وشيوخاً يلتقون عند فكرة
    من الفكر. ويحلونها من أنفسهم محل العقائد الراسخة. ومع أنها فكرة مادية بحتة. إلا
    أنهم يجعلون من حياتهم وقود حركتها، ويتحملون أقبح الأذى في سبيل
    نصرتها.


    وفي السجون -الآن- رجالٌ تخرجوا من جامعات
    الغرب، يقضون شطراً من أعمارهم مع القتلة وتجار المخدرات...!


    ويرون ذلك بعض الجهد الواجب لإنجاح مبادئهم
    ودفعها إلى الأمام. فكيف إذا كان الإيمان الذي ظهر في صدر الإسلام إيماناً بالله رب
    السماوات والأرض، وإيماناً بالدار الآخرة حيث ينفلت الإنسان من هذه الدنيا لتستقبله
    في جوار الله الحدائق الغناء. والقصور الزهر، من تحتها الأنهار الجارية والنعيم
    المقيم؟....إن الرعيل الأول أخذ يتكون ويتزايد على الأيام.


    ومن الطبيعي أن يعرض الرسول (صلَّى الله
    عليه وسلم) أولا- الإسلام على ألصق الناس به من آل بيته وأصدقائه، وهؤلاء لم
    تخالجهم ريبة قط في عظمة محمد عليه الصلاة والسلام، وجلال نفسه وصدق خبره، فلا جرم
    أنهم السابقون إلى مؤازرته واتباعه.


    آمنت به زوجته "خديجة" ومولاه "زيد بن
    حارثة"، وابن عمه "علي بن أبي طالب" -وكان صبياً يحيا في كفالة الرسول (صلَّى الله
    عليه وسلم) وصديقه الحميم أبو بكر، ثم نشط أبو بكر في الدعوة إلى الإسلام فأدخل فيه
    أهل ثقته ومودته: عثمان بن عفان، وطلحة بن عبيدالله، وسعد بن أبي وقاص. وآمن القس
    ورقة بن نوفل.


    وقد روي أن الرسول (صلَّى الله عليه وسلم)
    رآه في المنام -بعد مماته- في هيئة حسنة تشهد بكرامته عند الله. وأسلم الزبير بن
    العوام، وأبو ذر الغفاري، وعمرو بن عبسة، وخالد بن سعيد بن العاص، وفشا الإسلام في
    مكة بين من نوَّر الله قلوبهم. مع أن الإعلام به كان يقع في استخفاء، ودون مظاهرة
    من التحمس المكشوف أو التحدي السافر...


    وترامت هذه الأنباء إلى قريش فلم تعرها
    اهتماما. ولعلها حسبت محمداً عليه الصلاة والسلام أحد أولئك الديّانين الذين
    يتكلمون في الألوهية وحقوقها كما صنع أمية بن أبي الصلت، وقس بن ساعدة. وزيد بن
    عمرو بن نفيل وأشباههم. إلا أنها توجست خيفة من ذيوع خبره، وامتداد أثره، وأخذت
    ترقب على الأيام مصيره ودعوته.


    واستمر هذا الطور السرِّي للدعوة ثلاث سنين،
    ثم نزل الوحي يكلف الرسول (صلَّى الله عليه وسلم) بمعالنة قومه، ومجابهة باطلهم،
    ومهاجمة أصنامهم جهاراً.




    4.3 أمر الله سبحانه بإظهار الدعوة لعشيرته
    الأقربين:




    قال ابن عباس رضي الله عنهما: لما نزلت
    الآية {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ}، صعد النبي (صلَّى الله عليه وسلم)
    على الصفا فجعل ينادي: يا بني فهر، يا بني عدي -لبطون قريش- حتى اجتمعوا، فجعل الذي
    لم يستطع أن يخرج يرسل رسولاً لينظر ما هو؟ فجاء أبو لهب وقريش، فقال النبي (صلَّى
    الله عليه وسلم): أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم
    مصدِّقي؟ قالوا: ما جرَّبْنا عليك كذباً. قال: فإني نذيرٌ لكم بين يدي عذاب شديد!!
    فقال أبو لهب: تبّاً لك سائر اليوم! ألهذا جمعتنا! فنزل قوله تعالى: {تَبَّتْ يَدَا
    أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ...}.


    وعن أبي هريرة قال: قام رسول الله (صلَّى
    الله عليه وسلم) حين أنزل الله عليه {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} فقال:
    "يا معشر قريش، اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئاً، يا بني عبد المطلب لا
    أغني عنكم من الله شيئاً، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئاً، يا
    صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئاً، يا فاطمة بنت رسول الله سليني ما
    شئت من مالي، لا أغني عنك من الله شيئاً".


    هذه الصيحة العالية هي غاية البلاغ. فقد
    فاصل الرسول عليه الصلاة والسلام قومه على دعوته، وأوضح لأقرب الناس إليه أن
    التصديق بهذه الرسالة هو حياة الصلة بينه وبينهم، وأن عصبية القرابة التي يقوم
    عليها العرب ذابت في حرارة هذا الإنذار الآتي من عند الله.


    لقد كان محمد عليه الصلاة والسلام كبير
    المنزلة في بلده مرموقاً بالثقة والمحبة، وها هو ذا يواجه مكة بما تكره، ويتعرض
    لخصام السفهاء والكبراء، وأول قوم يغامر بخسران مودّتهم هم عشيرته الأقربون. لكن
    هذه الآلام تهون في سبيل الحق الذي شرح الله به صدره، فلا عليه أن يبيت بعد هذا
    الإنذار ومكة تموج بالغرابة والاستنكار، وتستعد لحسم هذه الثورة التي اندلعت بغتة
    وتخشى أن تأتي على تقاليدها وموروثاتها.


    وبدأت قريش تسير في طريقها، طريق اللدد،
    ومجانبة الصواب. ومضى محمد (صلَّى الله عليه وسلم) كذلك في طريقه يدعو إلى الله،
    ويتلطف في عرض الإسلام، ويكشف النقاب عن مخازي الوثنية، ويسمع ويجيب، ويهاجم
    ويدافع.. غير أن حرصه على هداية آله الأقربين جعله يجدد مسعاه محاولا عرض الإسلام
    عليهم مرة أخرى، فإن منزلتهم الكبيرة في العرب تجعل كسبهم عظيم
    النتائج.


    وهم -قبل ذلك- أهله الذين يودّ لهم الخير،
    ويكره لهم الوقوع في مساخط الله، روى ابن الأثير: قال جعفر بن عبدالله بن أبي
    الحكم: لما أنزل الله على رسوله {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} اشتد ذلك
    عليه، وضاق به ذرعاً فجلس في بيته كالمريض، فأتته عماته يعدنه، فقال: ما اشتكيت
    شيئاً. ولكن الله أمرني أن أنذر عشيرتي. فقلن له: فادعهم، ولا تدع أبا لهب فيهم،
    فإنه غير مجيبك. فدعاهم فحضروا ومعهم نفر من بني المطلب بن عبد مناف، فكانوا خمسة
    وأربعين رجلا، فبادره أبو لهب وقال: "هؤلاء هم عمومتك وبنو عمك فتكلم ودع الصُّباة!
    واعلم أنه ليس لقومك بالعرب قاطبة طاقة! وأنا أحق من أخذك! فحسبك بنو أبيك. وإن
    أقمت على ما أنت عليه فهو أيسر عليهم من أن يثب بك بطون قريش و تمُدّهم العرب، فما
    رأيت أحداً جاء على بني أبيه بشرٍّ مما جئتهم به".


    فسكت رسول الله ولم يتكلم في ذلك المجلس. ثم
    دعاهم ثانية، وقال: "الحمد لله أحمده وأستعينه، وأومن به وأتوكل عليه، وأشهد أن لا
    إله إلا الله وحده لا شريك له. ثم قال: إن الرائد لا يكذب أهله. والله الذي لا إله
    إلا هو، إني رسول الله إليكم خاصة وإلى الناس عامة. والله لتموتُنَّ كما تنامون.
    ولتبعثنَّ كما تستيقظون، ولتحاسبنَّ بما تعملون، وإنها للجنة أبداً أو النار
    أبداً".


    فقال أبو طالب: ما أحب إلينا معاونتك،
    وأقبلنا لنصيحتك، وأشد تصديقنا لحديثك!! وهؤلاء بنو أبيك مجتمعون، وإنما أنا أحدهم،
    غير أني أسرعهم إلى ما تحب فامض لما أمِرْت به.


    فوالله لا أزال أحوطك وأمنعك؛ غير أن نفسي
    لا تطاوعني على فراق دين عبد المطلب.


    فقال أبو لهب: هذه والله السوأة!!!خذوا على
    يديه قبل أن يأخذكم غيركم.


    فقال أبو طالب: والله لنمنعنه ما
    بقينا.




    5.3 أبو طالب وحنوه ومنعه لرسول الله (صلَّى الله عليه وسلم) على
    الرغم من بقائه على الشرك:




    إن أبا طالب -برغم بقائه على الشرك
    واستمساكه بدين الآباء- ظلَّ حي العاطفة ظاهر الحدب على ابن أخيه؛ وهو مدرك كل
    الإدراك ما سوف تجره هذه الدعوة من متاعب عليه وعلى أسرته، بَيْد أن إعزازه لمحمد
    وتأذيه من مواجهته بما يكره حملاه على ضمان الحرية له، بل على التعهد بحمايته وهو
    يبلِّغ عن ربه!! وأبو طالب من رجالات مكة المعدودين، كان معظماً في أهله، معظماً
    بين الناس، فما يجسر أحد على إخفار ذمته واستباحة بيضته. وكان بقاؤه مع أهل مكة
    -محترماً للأوثان- من أسباب امتداد نفوذه ورعاية حقوقه...


    أما أبو لهب فصورة لأرباب الأسر المتهالكين
    على مصالحهم وسمعتهم من غير نظر إلى حق أو باطل. فأي عمل يعرِّض مصالحه للبوار، أو
    يخدش ما لاسمه من منزلة يهيج ثائرته، ويدفعه لاقتراف الحماقات..


    وفي طبيعة أبي لهب قسوة تغريه باقتراف
    الدنايا. كان أبناؤه متزوجين ببنات محمد (صلَّى الله عليه وسلم)، فأمرهم بفراقهن
    فطلق عتبة وعتيبة رقية وأم كلثوم..


    ولعل أبا لهب كان متأثراً في هذه البغضاء
    المتنزية بزوجته أم جميل بنت حرب أخت أبي سفيان. وهي امرأة سليطة، تؤزها على كراهية
    محمد ودينه علل شتى، ولذلك بسطت فيه لسانها، وأطالت عليه الإفتراء
    والدس.


    وإذا كانت أهواء الجاهلية تدفع عم محمد
    (صلَّى الله عليه وسلم) إلى الإغلاظ معه على هذا النحو الوضيع؛ فكيف يكون مسلك
    الأباعد الذين يتمنون العثار للسليم والتهمة للبريء؟


    ولكن ما أبو لهب؟ وما قريش؟ وما العرب؟ وما
    الدنيا كلها؟ بإزاء رجل يحمل رسالة من الله الذي له ملك السموات والأرض، يريد أن
    يعيد بها الرشد لعالم فقد رشده، وأن يمحو بها الأوهام من حياة مرغتها الأوهام في
    الرغام. ما تجدي وقفة جهول أو غضبة مغرور في منع هذه الرسالة الكبيرة من المضي إلى
    هدفها البعيد؟!


    إن الطحالب العائمة لا تقف السفن الماخرة،
    ولئن نقم الجاهليون على المسلمين مروقهم من بين قومهم بهذه الدعوة -حتى ليسمونهم
    الصُّبَاة- فإن المسلمين لأشد نقمة عليهم؛ أن سفهوا أنفسهم، وحقّروا عقولهم،
    وتشبثوا بخرافات ما أنزل الله بها من سلطان.


    إن الدعوة التي بدأ بها محمد (صلَّى الله
    عليه وسلم) من بطن مكة لم تكن لبناء وطن صغير، بل كانت إنشاءً جديداً لأجيال وأمم
    تظل تتوارث الحق وتندفع به في رحاب الأرض إلى أن تنتهي من فوق ظهر الأرض قصة الحياة
    والأحياء.


    فماذا تصنع خصومة فرد أو قبيلة لرسالة هذا
    شأنها في حاضرها ومستقبلها؟ ومن أولئك الخصوم؟


    *..متعصبون تحجّرت عقولهم، تزين لهم سطوتهم البطش بمن يخالفهم
    {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ
    كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ
    آيَاتِنَا...}!!


    *..أم مترفون سرتهم ثروتهم يحبون الباطل لأنه على أرائك وثيرة،
    ويكرهون الحق لأنه عاطل عن الحلي والمتاع.


    {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ
    كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ
    نَدِيًّا}!!


    *..أم متعنتون يحسبون هداية الرحمن عبث صبية، أو أزياء غانية، فهم
    يقولون: دَعْ هذا وهاتِ هذا.


    {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ
    لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ
    بَدِّلْهُ..}!!


    *.. أم مهرجون يتواصَون بينهم بافتعال ضجة عالية وصياح منكر عندما
    تقرأ الآيات، حتى لا تسمع فتفهم فتترك أثراً في عقل نقي وقلب
    طيب.


    {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ
    وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ}!!


    لو أن أهل مكة ترددوا في تصديق محمد (صلَّى
    الله عليه وسلم) حتى يبحثوا أمره ويمحِّصوا رسالته، ويزنوا -على مهل- ما لديهم وما
    جاء به، لما عابهم على هذا عاقل.


    ولكنهم نفروا من الإسلام نفور المذنب من
    ساحة القضاء بعد ما انكشفت جريمته وثبتت إدانته.


    وقد حزن رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم)
    لهذا الإعراض المقرون بالتكذيب والتحدي، ومن حق كل رجل صدوق نبيل أن يأسف ويألم إذا
    ألفى نفسه مكذباً مهجوراً.


    إلا أن الله واساه، فأبان له بواطن أولئك
    المكذبين المتألبين.


    {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ
    فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ
    يَجْحَدُونَ}.


    إن المعتوه إذا اعترض طريقك ووقع في عرضك
    بلسان حاد، سمعت من يقول لك: هذا لا يقصد العدوان عليك ولكنه يستجيب لنوازع الجنون
    في دمه. وكذلك أولئك المشركون، إن فظاظتهم وإنكارهم تمشٍ مع دواعي الجحود في طباعهم
    قبل أن تكون انتقاصاً للرجل الذي يحدثهم أو طعناً في خلقه {...فَإِنَّهُمْ لَا
    يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ
    يَجْحَدُونَ}.


    ومن ثَمَّ فعلى محمد (صلَّى الله عليه وسلم)
    أن يمضي في سبيل البلاغ، وأن يجتاز ما يلقى أمامه من صعاب وعقاب، وعلى المؤمنين
    برسالته أن يثبتوا، وليس ثباتهم لمصلحتهم الخاصة فقط ولا حق الإيمان عليهم وكفى. بل
    هو لمصلحة الأجيال المقبلة. إن البنيان الشامخ الذُّرَى لا يرتكز على سطح الأرض،
    وإنما يرتكز على دعائم غائرة في الثرى. وهي التي تحمل ثقله وترفع عمده، وقد كان
    أصحاب محمد (صلَّى الله عليه وسلم) الأُوَل -بصلابة يقينهم وروعة استمساكهم- دعائم
    رسالته وأصول امتدادها من بعد، في المشارق والمغارب.




      الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين أكتوبر 23, 2017 8:13 pm