منتدى المركز الثقافي لبلدية بليمور

منتدى للابداع و الثقافة

المواضيع الأخيرة

» كلمات × كلمات
الإثنين أغسطس 01, 2011 4:53 am من طرف foufou90

» قـوآرب فـي بحــر الـحــيـــــآة
الإثنين أغسطس 01, 2011 4:02 am من طرف foufou90

» برنامج تحويل الفلاش الي رام روعه
الخميس يونيو 16, 2011 7:56 pm من طرف Admin

» برنامج فك باسورد اي ملف مضغوط روعه
الخميس يونيو 16, 2011 7:54 pm من طرف Admin

» هل تعلم أسرار عالم النوم
الخميس يونيو 16, 2011 2:07 pm من طرف Admin

» أروع مــا قيــل فـى الغــزل
الخميس يونيو 16, 2011 1:58 pm من طرف Admin

» عشرون نصيحة للطلاب في الاختبارات
الخميس يونيو 16, 2011 3:00 am من طرف foufou90

» موضوع عن الرياء كلمة عن الرياء
الخميس يونيو 16, 2011 2:55 am من طرف foufou90

» حقائق ستنصدم بأنها مُجرّد خرافات
الخميس يونيو 16, 2011 2:45 am من طرف foufou90

التبادل الاعلاني

احداث منتدى مجاني

    إسلام حمزة وعمر:

    شاطر

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 453
    نقاط : 14732
    تاريخ التسجيل : 09/04/2011
    الموقع : بلدية بليمور

    إسلام حمزة وعمر:

    مُساهمة  Admin في الأربعاء مايو 11, 2011 2:18 pm



    إسلام حمزة وعمر:

    إن الأفق المتلبد بالسحب قد يتولد منه بريق
    يضيء. لقد غبرت على المسلمين في مكة أيام غلاظ، اضطرت بيوتاً عديدة أن تفر بدينها،
    وبقي من بقي منهم يكابد العنت من شطط المشركين وكيدهم، إلا أن عناصر جديدة دخلت في
    الإسلام جعلت قريشاً تتروى في أمرها قبل أن تقدم على إساءاتها
    المبيتة.

    أسلم "حمزة" بن عبد المطلب، عم النبي عليه
    الصلاة والسلام وأخوه من الرضاع، وهو رجل أيِّد جَلْد قوي الشكيمة. وسبب إسلامه
    الغضب لما بلغه من تهجم أبي جهل على رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم) تهجماً
    بذيئاً. قالت له أمةٌ لعبدالله بن جدعان: يا أبا عمارة لو رأيت ما لقي ابن أخيك
    "محمد" من أبي الحكم بن هشام فإنه سبه وآذاه ثم انصرف عنه، ولم يكلمه "محمد" -وكانت
    المرأة قد شهدت هذا الحادث من مسكن قريب- فأسرع "حمزة" محنقاً لا يلوي على شيء
    وأقبل على أبي جهل وهو في مجلسه من قومه، ثم ضرب رأسه بالقوس، فشجه شجة منكرة وقال:
    أتشتمه وأنا على دينه؟

    وكما يقول البعض: طلبنا العلم للدنيا فأبى
    الله إلا أن يكون للدين! كان إسلام حمزة أول الأمر أنفة رجل أبى أن يهان مولاه، ثم
    شرح الله صدره فاستمسك بالعروة الوثقى، واعتز به المسلمون أيّما
    اعتزاز...

    أما عمر بن الخطاب فكان أول الفتانين
    المستهزئين بالإسلام، وكان معروفاً بحدة الطبع، وقوة الشكيمة، وطالما لقيَ المسلمون
    منه ألوان الأذى.

    روت زوجة عامر بن ربيعة قالت: إنا لنرحل إلى
    أرض الحبشة وقد ذهب عامر لبعض حاجته؛ إذ أقبل عمر -وهو على شركه- حتى وقف عليّ وكنا
    نلقى منه البلاء، فقال: أتنطلقون يا أم عبدالله؟ قالت: نعم والله لنخرجنَّ في أرض
    الله. فقد آذيتمونا وقهرتمونا، حتى يجعل الله لنا فرَجاً. قالت: فقال عمر: صحبكم
    الله، ورأيت له رقة وحزناً!! قالت: فلما عاد عامر أخبرتهُ وقلت له: لو رأيت عمر
    ورقته وحزنه علينا...قال: أطمعت في إسلامه؟ قلت نعم. فقال: "لا يسلم حتى يسلم حمار
    الخطاب!!" -لما كان يراه الرجل من شدته وغلظته على المسلمين.

    ولكن قلب المرأة كان أصدق من رأي الرجل فإن
    غلظة عمر كانت قشرة خفيفة، تكمن وراءها ينابيع من الرقة والعطف
    والسماحة.

    والظاهر أن عمر كانت تصطرع في نفسه مشاعر
    متناقضة: احترامه للتقاليد التي سنها الآباء والأجداد، واسترساله مع شهوات السكر
    واللهو التي ألفها...ثم إعجابه بصلابة المسلمين واحتمالهم البلاء في سبيل عقيدتهم،
    ثم الشكوك التي تساوره -كأي عاقل- في أن ما يدعو إليه الإسلام قد يكون أجل وأزكى من
    غيره، ولهذا ما إن يثور حتى يخور. ذهب ليقتل محمداً (صلَّى الله عليه وسلم) ثم
    ثَنتْهُ عن عزمه كلمة. ولما علم بإسلام أخته وزوجها اقتحم عليهما البيت صاخباً
    متوعداً، وضرب أخته فشجها، وأعاده منظر الدم المراق إلى صوابه، فرجحت نواحي البر
    والخير في نفسه، وتناول ورقة كتبت فيها بعض الآيات، وتلاها، ثم قال: ما أحسن هذا
    الكلام وأكرمه..؟

    واستكان عمر للحق فمشى إلى رسول الله يعلن
    إسلامه.

    فلما خلصت نفسه من شوائبها، وتمحّضت
    للإسلام، كان مدداً عظيماً لجند الله فازداد المسلمون به منعة، ووقعت في نفوس
    الكافرين منه حسرة.

    ورأت قريش أن أمر الإسلام ينمو ويعلو، وأن
    وسائلها الأولى في محاربته لم تمنع انتشاره أو تنفر أنصاره، فأعادت النظر في موقفها
    كله لترسم خطة جديدة أقسى وأحكم، وأدق وأشمل..


    13.3 حصار المسلمين ومن يحميهم وإعلان المقاطعة العامة
    ضدهم:


    وتمخض حقد المشركين عن عقد معاهدة تعتبر
    المسلمين ومن يرضى بدينهم، أو يعطف عليهم أو يحمي أحداً منهم حزباً واحداً دون سائر
    الناس، ثم اتفقوا ألا يبيعوهم أو يبتاعوا منهم شيئاً، وألا يزوجوهم أو يتزوجوا
    منهم، وكتبوا ذلك في صحيفة علقوها في جوف الكعبة توكيداً
    لنصوصها.

    ولاشك أن المتطرفين من ذوي النزق والحدّة
    نجحوا في فرض رأيهم وإشباع ضغنهم، فاضطر الرسول ومن معه إلى الاحتباس في شِعْب بني
    هاشم، وانحاز إليهم بنو المطلب كافرهم ومؤمنهم على سواء ما عدا أبا لهب فقد آزر
    قريشاً في خصومتها لقومه.

    وضيق الحصار على المسلمين، وانقطع عنهم
    العون، وقلَّ الغذاء حتى بلغ بهم الجهد أقصاه، وسمع بكاء أطفالهم من وراء الشِّعْب،
    وعضتهم الأزمات العصيبة حتى رثى لحالهم الخصوم. ومع اكفهرار الجو في وجوههم فقد
    تحملوا في ذات الله الويلات.

    ولم تفتر حدة الوثنيين في الحملة على
    الإسلام ورجاله، وفي تأليب العرب عليهم من كل فج.

    قال السهيلي: كانت الصحابة إذا قدمت عير إلى
    مكة ، يأتي أحدهم السوق ليشتري شيئاً من الطعام قوتاً لعياله، فيقوم أبو لهب فيقول:
    يا معشر التجار غالوا على أصحاب محمد حتى لا يدركوا معكم شيئاً، وقد علمتم مالي
    ووفاء ذمتي فأنا ضامن أن لا خسار عليكم. فيزيدون عليهم السلعة قيمتها أضعافاً حتى
    يرجع أحدهم إلى أطفاله وهم يتضاغون من الجوع، وليس في يده شيء يطعمهم به، ويغدو
    التجار على أبي لهب فيربحهم فيما اشتروا من الطعام واللباس حتى جهد المؤمنون ومن
    معهم جوعاً وعرياً.

    وروى يونس عن سعد بن أبي وقاص قال: خرجت ذات
    ليلة لأبول فسمعت قعقعة تحت البول، فإذا قطعة من جلد بعير يابسة، فأخذتها وغسلتها،
    ثم أحرقتها ورضضتها وسففتها بالماء، فقويت بها ثلاثاً.

    فانظر كيف انتهى الحصار بالمسلمين. وكيف
    أضناهم الحرمان وألجأهم أن يطعموا مالا مساغ له؟؟. وقد أحزنت تلك الآلام بعض ذوي
    الرحمة من قريش ، فكان أحدهم يوقر البعير زاداً ثم يضربه في اتجاه الشعب ويترك
    زمامه ليصل إلى المحصورين فيخفف شيئاً مما بهم من إعياء وفاقة..

    كم بقيت هذه الضائقة؟ ثلاث سنين كالحة كان
    رباط الإيمان وحده هو الذي يمسك القلوب ويصبر على اللأواء..

    ومن الطبيعي أن يستعجل المسلمون الخروج من
    هذه المآزق. لطالما وعدوا بالنصر والتمكين، فما وجدوا إلا الرَّوْع والسَّغب! وها
    هم أولاء محرجون في أرض تنكرت لهم، واقشعرَّت تحت أقدامهم. ولا ريب أن قلوبهم
    امتلأت غيظاً على أولئك المشركين الذين سخروا من جميع القيم الفاضلة، وكفروا
    بانتصارها في الدنيا كفرهمْ بمجيء اليوم الآخر. ولو لم يطلب أولئك المعذبون النصر
    لينقذهم من بأسائهم، لطلبوه كي يخزوا به المكذبين ويؤدبوا المتوقحين، بيد أن الوحي
    كان ينزل فيطالب المسلمين باليقين والثبات دون ارتقاب لهذه النتائج المتوقعة، يجب
    أن يجمدوا على حقائق الإيمان التي عرفوها، وأن يستمدوا من سموِّها وصدقها ما
    يراغمون به الأيام والأحداث.

    {وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ
    نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا
    يَفْعَلُونَ. وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ
    بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ}.

    وكان المشركون أيضاً يتعجلون خاتمة الصراع
    بينهم وبين أولئك المسلمين، يتعجلون لأنهم يضحكون منها فما يثقون ببعث أو جزاء. ولا
    يظنون أبداً أن يوماً قريباً أو بعيداً سينشق فجره، فإذا مكة خالية من الأصنام،
    وإذا أذان التوحيد يرنُّ في أرجائها، وإذا المحصورون في الشعب هم أصحاب الأمر
    والنهي، والسادة الحاكمون بأمرهم اليوم أسرى يرجون العفو وكان يقينهم من أن اليوم
    والغد لهم يزين لهم الاستهزاء بهذا الوعد والتعريض به.

    {وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ.
    قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ
    لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً
    وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ. قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ
    نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ. أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ
    آمَنْتُمْ بِهِ أَالْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ
    تَسْتَعْجِلُونَ}؟.

    وكان الدخول في الإسلام والبقاء عليه أبعد
    ما يكون عن التهمة، ربما اعتنق فريق من الناس مبدأ ما -عن صدق وإقناع- وليس يمنعهم
    ذلك من التماس النفع به والتقدم من ورائه.

    أما أولئك السابقون الأولون فقد علموا أن
    فقدان المنافع وهلاك المصالح الخاصة أول ما يلقون من تضحية في سبيل
    عقيدتهم.

    ولا أحسب شيئاً يربي النفوس على التجرُّد
    كهذا التفاني في الحق، للحق ذاته، ثم إن القرآن كان صارماً في قمع المتاجرة
    بالعقائد، والإثراء على حسابها والعلوّ في الأرض باسمها:

    {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ
    إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ. أُوْلَئِكَ
    الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا
    فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}.

    وقد أفاد الصحابة من ذلك عفة ونقاءً
    وإخلاصاً لا يعرف لها في التاريخ نظير؛ فلما تعثرت تيجان الملوك بأقدامهم؛ واستسلمت
    الأقطار المكتظة بالخير لجيوشهم؛ كانت دوافع العقيدة وأهدافها هي التي تشغل بالهم
    قبل الفتح وبعده فلم يكترثوا لذهب أو فضة..إنما عناهم -أولاً وآخراً- إقام الصلاة
    وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.

    وفي أيام الشعب كان المسلمون يلقون غيرهم في
    موسم الحج، ولم تشغلهم آلامهم عن تبليغ الدعوة وعرضها على كل وافد؛ فإن الاضطهاد لا
    يقتل الدعوات بل يزيد جذورها عمقاً وفروعها امتداداً؛ وقد كسب الإسلام أنصاراً
    كثراً في هذه المرحلة؛ وكسب -إلى جانب ذلك- أن المشركين قد بدأوا ينقسمون على
    أنفسهم ويتساءلون عن صواب ما فعلوا، وشرع فريق منهم يعمل على إبطال هذه المقاطعة
    ونقض الصحيفة التي تضمنتها.

    وأول من أبلى في ذلك بلاء حسناً "هشام بن
    عمرو" فقد ساءته حال المسلمين ورأى ما هم فيه من عناء؛ فمشى إلى زهير بن أبي أمية؛
    وكان شديد الغيرة على النبي (صلَّى الله عليه وسلم) والمسلمين، وكانت أمه عاتكة بنت
    عبد المطلب. فقال: يا زهير أرضيت أن تأكل الطعام، وتلبس الثياب، وتنكح النساء
    وأخوالك حيث قد علمت؟

    أما إني أحلف بالله: لو كانوا أخوال أبي
    الحكم -يعني أبا جهل- ثم دعوته إلى مثل ما دعاك إليه ما أجابك أبداً‍ فقال: فماذا
    أصنع وإنما أنا رجل واحد، والله لو كان معي رجل آخر لنقضتها‍ فقال: قد وجدتَ رجلاً،
    قال: ومن هو؟ قال: أنا. قال زهير: ابغنا ثالثاً، فذهب إلى المطعم بن عدي فقال له:
    أرضيت أن يهلك بطنان من بني عبد مناف وأنت شاهد ذلك موافق فيه؟ أما والله لو
    أمكنتموهم من هذه لتجدنَّهم إلى مثلها منكم أسرع قال: ما أصنع؟ إنما أنا رجل واحد.
    قال: قد وجدت ثانياً. قال: من هو؟ قال: أنا. قال: ابغنا ثالثاً. قال: قد فعلت. قال:
    من هو قال زهير بن أبي أمية: قال: ابغنا رابعاً. فذهب إلى أبي البختري بن هشام؛
    وقال له نحواً مما قال للمطعم. وقال: وهل من أحد يعين على هذا؟ قال: نعم. قال: من
    هو؟ قال: أنا وزهير والمطعم قال: ابغنا خامساً. فذهب إلى زمعة بن الأسود، فكلمه
    وذكر له قرابته، قال: وهل على هذا الأمر معين؟ قال: "نعم" وسمّى له
    القوم.

    فاتعدوا "خَطْم الحَجُون" الذي بأعلى مكة ،
    فاجتمعوا هنالك وتعاقدوا على القيام في نقض الصحيفة فقال زهير: أنا أبدؤكم. فلما
    أصبحوا غدوا إلى أنديتهم، وغدا زهير فطاف بالبيت. ثم أقبل على الناس: فقال: يا أهل
    مكة ، أنأكل الطعام ونلبس الثياب وبنو هاشم هلكى لا يبتاعون ولا يبتاع منهم؟ والله
    لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة‍ قال أبو جهل: كذبت والله لا تشق. قال
    زمعة ابن الأسود: أنت والله أكذب، ما رضينا بها حين كتبت وقال أبو البختري: صدق
    والله زمعة لا نرضى ما كتب فيها. وقال المطعم بن عدي: صدقتما وكذب من قال غير ذلك،
    وقال هشام بن عمرو نحواً من هذا. فقال أبو جهل: هذا أمر قضي بليل، فقام المطعم إلى
    الصحيفة ليشقها، فوجد الأرضة قد أكلتها إلا كلمة "باسمك اللهم".

    وكانت العرب تفتتح بها
    كتبها..


    14.3 عام الحزن ووفاة أبي طالب وخديجة:

    انطلق المسلمون من الشعب يستأنفون نشاطهم
    القديم بعدما قطع الإسلام في مكة قرابة عشرة أعوام مليئة بالأحداث الضخمة، وما إن
    تنفس المسلمون من الشدة التي لاقوها حتى أصيب الرسول (صلَّى الله عليه وسلم) بوفاة
    زوجته خديجة ثم بوفاة عمه أبي طالب. أي أنه نكب في حياته الخاصة والعامة
    معاً.

    إن "خديجة" من نعم الله الجليلة على "محمد"
    عليه الصلاة والسلام، فقد آزرته في أحرج الأوقات، وأعانته على إبلاغ رسالته،
    وشاركته مغارم الجهاد المر ، وواسته بنفسها ومالها، وإنك لتحس قدر هذه النعمة عندما
    تعلم أن من زوجات الأنبياء من خُنَّ الرسالة وكفرن برجالهن وكن مع المشركين من
    قومهن وآلهن حرباً على الله ورسوله.

    {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ
    وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ
    فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنْ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا
    النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ}.

    أما خديجة فهي صدِّيقة النساء، حنت على
    رجلها ساعة قلق، وكانت نسمة سلام وبر، رطبت جبينه المتصبب من آثار الوحي، وبقيت ربع
    قرن معه، تحترم قبل الرسالة تأمله وعزلته وشمائله، وتحمل بعد الرسالة كيد الخصوم
    وآلام الحصار ومتاعب الدعوة، وماتت والرسول (صلَّى الله عليه وسلم) في الخمسين من
    عمره، وهي تتجاوز الخامسة والستين وقد أخلص لذكراها طول حياته.

    أما أبو طالب، فإن المرء يحار في أمره،
    وبقدر ما يهتز إعجاباً لنبله في كفالة محمد (صلَّى الله عليه وسلم)، ثم لبطولته في
    الدفاع عنه حين نبىء، وحين صدع بأمر ربه، وأنذر عشيرته
    الأقربين.

    إنه -بقدر ذلك- يستغرب المصير الذي ختم
    حياته، وجعله يصرح -قبل موته - أنه على ملة الأشياخ من أجداده.

    وقد حزن رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم)
    لموت أبي طالب حزناً شديداً. ألم يكن الحصن الذي تحتمي به الدعوة من هجمات الكبراء
    والسفهاء؟ وها قد ولّى الرجل الذي سخر جاهه وسلطانه في الذود عن ابن أخيه وكف
    العوادي أن تناله.

    إن قريشاً أصبحت لا تهاب في محمد عليه
    الصلاة والسلام أحداً بعده.

    روي أن رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم)
    قال: ما نالت مني قريش شيئاً أكرهه حتى مات "أبو طالب" وذلك أنهم تجرؤوا عليه، حتى
    نثر بعضهم التراب على رأسه.

    وعن ابن مسعود قال: "بينا رسول الله (صلَّى
    الله عليه وسلم) يصلي عند البيت وأبو جهل وأصحابه جلوس، وقد نحرت جزور بالأمس: فقال
    أبو جهل: أيكم يقوم إلى سَلاَ جزور بني فلان فيضعه بين كتفي محمد إذا سجد؟ فانبعث
    أشقى القوم فأخذه، فلما سجد النبي (صلَّى الله عليه وسلم) وضعه بين كتفيه،
    فاستضحكوا، وجعل بعضهم يميل على بعض، وأنا قائم أنظر، لو كانت لي منعة طرحته عن
    ظهره، والنبي (صلَّى الله عليه وسلم) ساجد ما يرفع رأسه حتى انطلق إنسان فأخبر
    فاطمة، فجاءت -وهي جويرية- فطرحته عنه، ثم أقبلت عليهم تشتمهم".

    فلما قضى رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم)
    صلاته رفع صوته ثم دعا عليهم. وكان إذا دعا دعا ثلاث مرات، وإذا سأل سأل ثلاثاً. ثم
    قال: "اللّهم عليك بقريش" ثلاثاً. فلما سمعوا، ذهب عنهم الضحك، وخافوا
    دعوته.

    ثم قال: "اللهم عليك بأبي جهل بن هشام،
    وعتبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ، والوليد بن عتبة، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي
    معيط" وذكر السابع ولم أحفظه.

    فوالذي بعث محمداً (صلَّى الله عليه وسلم)
    بالحق لقد رأيت الذين سمَّى صرعى يوم "بدر" ثم سحبوا إلى القليب، قليب
    بدر.

    لقد مضت مكة في طريق الكفر حتى أوغلت فيه
    وبلغت نهايته، فهي الآن تستمرئ تلويث الساجدين بالأقذار، وتتمايل -ضحكاً- من منظر
    الأنجاس، وهي تسيل على كتفي المصلي، لم يبق في هذه القلوب مكان لذرة من
    الخير.

    والبنت -في المجتمع العربي- تعيش في كنف
    أبيها، وتفخر بقوته، وتأنس بحمايته.

    وممّا يحز في قلب الرجل أن يرى نفسه في وضع
    تدفع عنه ابنته، وتشعر بالعجز وقلة الناصر، وقد كظم محمد (صلَّى الله عليه وسلم)
    على ألمه، وتحمل في ذات الله ما لقي إلا أنه أخذ يفكر في التوجه برسالته إلى قرية
    أخرى، علها تكون أحسن قبولاً وأقرب إستجابة؛ فاستصحب معه زيد بن حارثة وولى وجهه
    شطر "ثقيف" يلتمس نصرتها.


    15.3 ذهاب الرسول (صلَّى الله عليه وسلم) إلى الطائف لعرض رسالته
    على ثقيف:


    ذهب رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم) إلى
    الطائف حيث تقطن ثقيف وهي تبعد عن مكة نحو الخمسين ميلاً، سارها محمد (صلَّى الله
    عليه وسلم) على قدميه جيئة وذهوباً، فلما انتهى إليها قصد إلى نفر من رجالاتها
    الذين ينتهي إليهم أمرها، ثم كلمهم في الإسلام ودعاهم إلى الله، فردوه -جميعاً-
    رداً منكراً، وأغلظوا له الجواب. ومكث عشرة أيام، يتردد على منازلهم دون
    جدوى.

    فلما يئس الرسول عليه الصلاة والسلام من
    خيرهم قال لهم: إذا أبيتم، فاكتموا عليَّ ذلك -كراهية أن يبلغ أهل مكة ، فتزداد
    عداوتهم وشماتتهم- لكن القوم كانوا أخس مما ينتظر. قالوا له: اخرج من بلدنا،
    وحرّشوا عليه الصبيان والرعاع فوقفوا له صفين يرمونه بالحجارة. و"زيد بن حارثة"
    يحاول -عبثاً الدفاع عنه حتى شج في ذلك رأسه.

    وأصيب الرسول عليه الصلاة والسلام في
    أقدامه، فسالت منها الدماء واضطره المطاردون إلى أن يلجأ إلى بستان لعتبة، وشيبة،
    ابني ربيعة، حيث جلس في ظل كرمة يلتمس الراحة والأمن.

    وكان أصحاب البستان فيه، فصرفوا الأوباش
    عنه، واستوحش الرسول عليه الصلاة والسلام لهذا الحاضر المرير، وثابت إلى نفسه
    ذكريات الأيام التي عاناها مع أهل مكة ، إنه يجر وراءه سلسلة ثقيلة من المآسي
    المتلاحقة فهتف يقول:

    اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي،
    وهواني على الناس...أنت أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي... إلى من
    تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني، أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي،
    غير أن عافيتك هي أوسع لي..!!

    أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح
    عليه أمر الدنيا والآخرة، أن يحل علي غضبك، أو أن ينزل بي سخطك. لك العتبى حتى
    ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك...

    وتحركت عاطفة القرابة في قلوب ابنَيْ ربيعة
    فدَعَوا غلاماً لهما نصرانياً، يدعى "عدّاساً" وقالا له: خذ قطفاً من العنب، واذهب
    به إلى الرجل.

    فلما وضعه بين يدي رسول الله (صلَّى الله
    عليه وسلم) مد يده إليه قائلاً: باسم الله، ثم أكل.

    فقال "عدّاس" إن هذا الكلام ما يقوله أهل
    هذه البلدة! فقال له النبي: من أي البلاد أنت! قال أنا نصراني من "نينوى" فقال رسول
    الله (صلَّى الله عليه وسلم): أمن قرية الرجل الصالح يونس بن متى؟ قال له: وما
    يدريك ما يونس؟ قال رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم): ذلك أخي، كان نبياً وأنا
    نبي. فأكب "عدّاس" على يدي رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم) ورجليه
    يقبلهما.

    فقال ابنا ربيعة أحدهما للآخر: أما غلامك
    فقد أفسده عليك! فلما جاء "عدّاس" قالا له: ويحك ما هذا؟ قال: ما في الأرض خير من
    هذا الرجل.

    فحاول الرجلان توهين أمر محمد، وتمسيك الرجل
    بدينه القديم. كأنما عز عليهما أن يخرج محمد (صلَّى الله عليه وسلم) من الطائف بأي
    كسب.

    وقفل الرسول عليه الصلاة والسلام عائداً إلى
    مكة ، إلى البلد الذي لفظ خيرة أهله، فهاجر بعضهم إلى الحبشة وأكره الباقي على
    معاناة العذاب الواصب، أو الفرار إلى شعف الجبال.

    وقال زيد بن حارثة: كيف تدخل عليهم وقد
    أخرجوك؟

    فقال الرسول عليه الصلاة والسلام: يا زيد،
    إن الله جاعل لما ترى فَرَجاً...

    ولابد أن أخبار ثقيف قد سبقته إلى قريش ،
    ومن ثَمّ رأى رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم) ألا يدخل مكة حتى يستوثق لنفسه
    ودعوته. فبعث إلى "المطعم بن عدي" يعرض عليه أن يجيره حتى يبلغ رسالة ربه! فقبل
    "المطعم" واستنهض أبناءه فحملوا أسلحتهم ووقفوا عند أركان البيت الحرام، وتسنَّم
    "المطعم" ناقته ثم نادى: يا معشر قريش ، قد أجرت محمداً، فلا يَهْجِه أحد منكم!
    فلما انتهى رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم) إلى الكعبة صلى ركعتين ثم انصرف إلى
    بيته، و"مطعم" وأهله يحرسونه بأسلحتهم...

    وقيل: إن أبا جهل سأل مطعماً: أمجير أم
    متابع -مسلم-؟ قال: بل مجيرٌ. قال: قد أجرنا من أجرت....!

    وحفظ رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم)
    للمطعم هذا الصنيع. فقال يوم أسرى بدر: لو كان المطعم حياً لتركت له هؤلاء
    النَّتنى.

    كان المطعم -كأبي طالب- على دين أجداده،
    وكان كذلك مثله في المروءة والنجدة. وقد أراد أبو جهل أن يتهكم بنبي يحتاج إلى
    جوار، وكأنه يتساءل:

    لِم لم تنزل كوكبة من الملائكة
    لحفظه؟.

    ولذلك قال -لما رآه-: هذا نبيكم يا بني عبد
    مناف؟

    فرد عليه عتبة بن ربيعة : وما ينكر أن يكون
    منا نبي وملك؟

    فلما أخبر رسول الله بسؤال أبي جهل ورد عتبة
    قال:

    أما أنت يا عتبة فما حميت لله، وإنما حميت
    لنفسك -وذلك أنه قالها عصبية لا إيماناً-.

    وأما أنت يا أبا جهل فوالله لا يأتي عليك
    غير بعيد حتى تضحك قليلاً وتبكي كثيراً.

    وأما أنتم يا معشر قريش فوالله لا يأتي
    عليكم غير كثير حتى تدخلوا فيما تنكرون...

    وفي هذا التعليق ما يدل على ثقة الرسول عليه
    الصلاة والسلام من المستقبل مهما اكتنفه -في الحاضر- من الآلام.

    عاد الرسول إلى مكة ليستأنف خطته الأولى في
    عرض الإسلام وإبلاغ رسالة الله.

    وبينا هو ماض في جهاده، إذ وقعت له قصة
    الإسراء والمعراج....



      الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين أكتوبر 23, 2017 8:10 pm