منتدى المركز الثقافي لبلدية بليمور

منتدى للابداع و الثقافة

المواضيع الأخيرة

» كلمات × كلمات
الإثنين أغسطس 01, 2011 4:53 am من طرف foufou90

» قـوآرب فـي بحــر الـحــيـــــآة
الإثنين أغسطس 01, 2011 4:02 am من طرف foufou90

» برنامج تحويل الفلاش الي رام روعه
الخميس يونيو 16, 2011 7:56 pm من طرف Admin

» برنامج فك باسورد اي ملف مضغوط روعه
الخميس يونيو 16, 2011 7:54 pm من طرف Admin

» هل تعلم أسرار عالم النوم
الخميس يونيو 16, 2011 2:07 pm من طرف Admin

» أروع مــا قيــل فـى الغــزل
الخميس يونيو 16, 2011 1:58 pm من طرف Admin

» عشرون نصيحة للطلاب في الاختبارات
الخميس يونيو 16, 2011 3:00 am من طرف foufou90

» موضوع عن الرياء كلمة عن الرياء
الخميس يونيو 16, 2011 2:55 am من طرف foufou90

» حقائق ستنصدم بأنها مُجرّد خرافات
الخميس يونيو 16, 2011 2:45 am من طرف foufou90

التبادل الاعلاني

احداث منتدى مجاني

    لأخوة بين المهاجرين والأنصار في المدينة:

    شاطر

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 453
    نقاط : 14732
    تاريخ التسجيل : 09/04/2011
    الموقع : بلدية بليمور

    لأخوة بين المهاجرين والأنصار في المدينة:

    مُساهمة  Admin في الأربعاء مايو 11, 2011 2:29 pm


    الأخوة بين المهاجرين والأنصار في المدينة:



    أما عن الأمر الثاني -وهو صلة الأمة بعضها
    بالبعض الآخر- فقد أقامه الرسول (صلَّى الله عليه وسلم) على الإخاء الكامل. الإخاء
    الذي تمحى فيه كلمة "أنا" ويتحرك الفرد فيه بروح الجماعة ومصلحتها وآمالها، فلا يرى
    لنفسه كياناً دونها، ولا امتداداً إلا فيها...


    ومعنى هذا الإخاء أن تذوب عصبيات الجاهلية،
    فلا حمية إلا للإسلام.


    وأن تسقط فوارق النسب واللون والوطن، فلا
    يتأخر أحد أو يتقدم إلا بمروءته وتقواه.


    وقد جعل الرسول (صلَّى الله عليه وسلم) هذه
    الأخوة عقداً نافذاً؛ لا لفظاً فارغاً، وعملا يرتبط بالدماء والأموال؛ لا تحية
    تثرثر بها الألسنة ولا يقوم لها أثر..!!


    وكانت عواطف الإيثار والمواساة والمؤانسة
    تمتزج في هذه الأخوة، وتملأ المجتمع الجديد بأروع الأمثال...


    حرص الأنصار على الحفاوة بإخوانهم
    المهاجرين، فما نزل مهاجري على أنصاري إلا بقرعة!! وقدر المهاجرون هذا البذل الخالص
    فما استغلُّوه، ولا نالوا منه إلا بقدر ما يتوجهون إلى العمل الحر
    الشريف.


    روى البخاري أنهم لما قدموا المدينة آخى
    رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم) بين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع، فقال سعد
    لعبد الرحمن: إني أكثر الأنصار مالا، فأقسم مالي نصفين، ولي امرأتان فانظر أعجبهما
    إليك، فسمِّها لي أطلقها، فإذا انقضت عدتها فتزوجها، قال عبد الرحمن: بارك الله لك
    في أهلك ومالك، أين سوقكم؟؟


    فدلوه على سوق بني قينقاع، فما انقلب إلا
    ومعه فضل من أقط وسمن!! ثم تابع الغدُوَ..ثم جاء يوماً وبه أثر صفرة، فقال النبي
    (صلَّى الله عليه وسلم): "مَهْيَمْ"؟ قال: تزوجتُ. قال: "كم سقتَ إليها". قال: نواة
    من ذهب!


    وإعجاب المرء بسماحة "سعد" لا يعدله إلا
    إعجابه بنبل عبد الرحمن، هذا الذي زاحم اليهود في سوقهم، وبزَّهم في ميدانهم،
    واستطاع-بعد أيام-أن يكسب ما يعف به نفسه ويحصن به فرجه!! إن علو الهمة من خلائق
    الإيمان؛ وقبح الله وجوه أقوام انتسبوا للإسلام فأكلوه، وأكلوا به حتى أضاعوا كرامة
    الحق في هذا العالم.


    وكان رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم) الأخ
    الأكبر لهذه الجماعة المؤمنة. لم يتميز عنهم بلقب إعظام خاص، وفي الحديث: "لو كنت
    متخذاً من أمتي خليلا لاتخذته -يعني أبا بكر- خليلا، ولكن إخوة الإسلام
    أفضل".


    والإخاء الحق لا ينبت في البيئات الخسيسة،
    فحيث يشيع الجهل والغش والجبن والبخل والجشع، لا يمكن أن يصح إخاء، أو تترعرع محبة،
    ولولا أن أصحاب رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم) جبلوا على شمائل نقية، واجتمعوا
    على مبادىء رضية، ما سجلت لهم الدنيا هذا التآخي الوثيق في ذات
    الله.


    فسموّ الغاية التي التقوا عليها وجلال
    الأسوة التي قادتهم إليها، نمَّيا فيهم خلال الفضل والشرف، ولم يدعا مكاناً لنجوم
    خلة رديئة.


    ذلك، ثم إن محمداً عليه الصلاة والسلام كان
    إنساناً تجمَّع فيه ما تفرق في عالم الإنسان كله من أمجاد ومواهب وخيرات، فكان صورة
    لأعلى قمة من الكمال يمكن أن يبلغها بشر، فلا غرو إذا كان الذين قبسوا منه، وداروا
    في فلكه رجالاً يحيون بالنجدة والوفاء والسخاء.


    إن الحب كالنبع الدافق يسيل وحده، ولا يتكلف
    استخراجه بالآلات والأثقال، والأخوة لا تفرض بقوانين ومراسيم، وإنما هي أثر من
    تخلِّص الناس من نوازع الأثرة والشح والضِّعة.


    وقد تبودلت الأخوة بين المسلمين الأولين
    لأنهم ارتقوا -بالإسلام- في نواحي حياتهم كلها، فكانوا عباد الله إخوانا. ولو كانوا
    عبيد أنفسهم ما أبقى بعضهم على بعض!!


    على أن تنويهنا بقيمة التسامي النفساني في
    تأسيس الإخاء، لا يمنع الحاكم من فرضه على الناس نظاماً يؤخذون بحقوقه أخذاً، فإذا
    لم يؤدوها طوعاً أدوها كرهاً، وذلك كما يجبرون على العلم، والجندية، وأداء الضرائب
    وغير ذلك.


    وقد ظلَّت عقود الإخاء مقدمة على حقوق
    القرابة في توارث التركات إلى موقعة "بدر" حتى نزل قوله تعالى:


    {وَأُوْلُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ
    اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}.


    فألغي التوارث بعقد الأخوة، ورجع إلى ذوي
    الرحم. وروى البخاري عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى:


    {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ
    وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ
    نَصِيبَهُمْ...}.


    قال: كان المهاجرون -لما قدموا المدينة- يرث
    المهاجري الأنصاري دون ذوي رحمه، للأخوة التي آخى النبي عليه الصلاة والسلام بينهم.
    فلما نزلت: {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ...} نسخت ذلك ثم قال: {وَالَّذِينَ
    عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ} من النصر والرفادة والنصيحة وقد
    ذهب الميراث، ويوصي له.


    وروي في تفصيل هذا الإخاء أن النبي (صلَّى
    الله عليه وسلم) تآخى مع علي، وتآخى حمزة مع زيد، وأبو بكر مع خارجة، وعمر مع عتبان
    بن مالك...الخ.


    ومن العلماء من يشك في أخوة الرسول عليه
    الصلاة والسلام مع علي.


    ولكن ما صح أن رسول الله (صلَّى الله عليه
    وسلم) جعل عليا منه بمنزلة هارون من موسى يؤيد هذه الرواية، وليس يخدش هذا من منزلة
    أبي بكر ولا استحقاقه الصدارة.




    4.5 علاقة المسلمين بغير المسلمين في مجتمع المدينة الجديد بعد
    الهجرة إليها:




    أما الأمر الثالث، وهو صلة الأمة بالأجانب
    عنها الذين لا يدينون بدينها، فإن الرسول عليه الصلاة والسلام قد سنَّ في ذلك
    قوانين السماح والتجاوز التي لم تعهد في عالم مليء بالتعصب والتغالي، والذي يظن أن
    الإسلام دين لا يقبل جوار دين آخر، وأن المسلمين قوم لا يستريحون إلا إذا انفردوا
    في العالم بالبقاء والتسلط هو رجل مخطىء بل متحامل جريء!.


    عندما جاء النبي عليه الصلاة والسلام إلى
    المدينة، وجد بها يهود، توطنوا ومشركين مستقرين.


    فلم يتجه فكره إلى رسم سياسة للإبعاد أو
    المصادرة والخصام، بل قبل -عن طيب خاطر- وجود اليهود والوثنية، وعرض على الفريقين
    أن يعاهدهم معاهدة الند للند، على أن لهم دينهم وله دينه.


    ونحن نقتطف فقرات من نصوص المعاهدة التي
    أبرمها مع اليهود دليلاً على اتجاه الإسلام في هذا الشأن.


    جاء في هذه المعاهدة: أن المسلمين من قريش
    ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم أمة واحدة.


    وأن المؤمنين المتقين على من بغى منهم أو
    ابتغى دسيعة ظلم، أو إثم، أو عدوان، أو فساد بين المؤمنين، وأن أيديهم عليه جميعاً
    ولو كان ولد أحدهم!!


    وأنه لا يجيرُ مشركٌ مالاً لقريش ولا نفساً،
    ولا يحول دونه على مؤمن...


    وأنه لا يحل لمؤمن أقر بما في هذه الصحيفة،
    وآمن بالله واليوم الآخر أن ينصر محدثاً ولا يؤويه، وأنه من نصره أو آواه، فإن عليه
    لعنة الله وغضبه يوم القيامة، ولا يؤخذ منه صرف ولا عدل.


    وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا
    محاربين.


    وأن يهود بني عوف أمة مع
    المؤمنين.


    لليهود دينهم وللمسلمين
    دينهم.


    وأن ليهود بني النجار والحارث وساعدة وبني
    جشم وبني الأوس الخ، مثل ما ليهود بني عوف.


    وأن على اليهود نفقتهم، وعلى المسلمين
    نفقتهم، وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة.


    وأن بينهم النصح والنصيحة والبر، دون
    الإثم.


    وأنه لم يأثم امرؤ بحليفه، وأن النصر
    للمظلوم، وأن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم.


    وأن الله على أتقى ما في هذه الصحيفة
    وأبره...


    وأن بينهم النصر على من دهم
    يثرب.


    وأن من خرج آمن، ومن قعد بالمدينة آمن، إلا
    من ظلم وأثم..


    وأن الله جار لمن بر
    واتقى..".


    وهذه الوثيقة تنطق برغبة المسلمين في
    التعاون الخالص مع يهود المدينة لنشر السكينة في ربوعها، والضرب على أيدي العادين
    ومدبري الفتن أياً كان دينهم.


    وقد نصت بوضوح على أن حرية الدين
    مكفولة.


    فليس هناك أدنى تفكير في محاربة طائفة أو
    إكراه مستضعف. بل تكاتفت العبارات في هذه المعاهدة على نصرة المظلوم، وحماية الجار،
    ورعاية الحقوق الخاصة والعامة، واستنزل تأييد الله على أبر ما فيها وأنقاه، كما
    استنزل غضبه على من يخون ويغش..


    واتفق المسلمون واليهود على الدفاع عن يثرب
    إذا هاجمها عدو، وأقرت حرية الخروج من المدينة لمن يبتغي تركها، والقعود فيها لمن
    يحفظ حرمتها.


    ويلاحظ أن الرسول عليه الصلاة والسلام في
    هذه المعاهدة أشار إلى العداوة القائمة بين المسلمين ومشركي مكة وأعلن رفضه الحاسم
    لموالاتهم، وحرّم إسداء أي عون لهم، وهل ينتظر إلا هذا الموقف من قوم لا تزال
    جروحهم تقطر دماً لبغي قريش وأحلافها عليهم؟


    أكان اليهود صادقين في موافقتهم على هذا
    العهد؟.


    أغلب الظن أنهم لم يكونوا جادِّين حين
    ارتضوه وقبلوا إنفاذه.


    وآفة العهود أن يرتبط الوفاء بها بمدى
    المنفعة المرجوة منها، فإذا بدا أن المعاهدة المبرمة لا تحقق المطامع المبتغاة،
    قلَّ التمسك بها والتمست الفرص للتحلل منها.


    وقد كان اليهود يبنون عظمتهم المادية
    والسياسية على تفرق العرب، قبائل متناحرة، فلما دخل العرب في الإسلام وأخذت
    الحزازات القديمة تتلاشى وتتابعت تؤكد أن الإسلام سوف يصنع من العرب أمة
    واحدة..استشعر اليهود القلق وساورتهم الهموم، وشرعوا يفكرون في الكيد لهذا الدين
    والتربص بأتباعه.


    ثم إن اليهود في المدينة يكوِّنون البيئة
    التي تتوافر فيها سوءات التدين المصنوع، والاحتراف السمج بمبادىء السماء، وأبرز
    خلال هذه البيئات الحقد والنفاق والتمسك بالقشور والولع بالجدل، ومن وراء ذلك قلوب
    خربة، ونفوس معوجَّة.


    وربما اقتبسوا من جوارهم للعرب بعض فضائل
    الصحراء كالكرم والشجاعة، بيد أن انطواءهم العنصري غلب على سيرتهم، فالتصقت هذه
    الفضائل بنفوسهم كما تلتصق أوراق الزينة بالجدران المشوهة...


    وكان المتوقع أن يرحب اليهود بالإسلام، فإذا
    لم يرحبوا به فليكونوا أبطأ من الوثنيين في مخاصمته، فإن محمداً (صلَّى الله عليه
    وسلم) يدعو إلى توحيد الله، وإصلاح العمل، والاستعداد لحياة أرقى في الدار الآخرة،
    والدين الذي جاء به وقّر موسى وأعلى شأنه، ونوّه بكتابه، وطلب من اليهود أن
    ينفِّذوا أحكامه، ويلزموا حدوده.


    لكن اليهود صمتوا -أولاً- صمت المستريب، ثم
    بدا لهم فقرروا المعالنة بالجحود.


    وهذا الترحيب المتوقع تلمح دلائله في كثير
    من الآيات، فإن عبدة الأصنام إذا أنكروا النبوة فأهل الكتاب يجب أن يشهدوا
    بها.


    {وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى
    بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ
    الْكِتَابِ}.


    وعبدة الأصنام إذا رفضوا التذكير بالله فأهل
    الكتاب أحق بأن يخشعوا إذا وجدوا من يذكرهم به {وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمْ
    الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ. الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ مِنْ
    قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ}.


    غير أنك تدهش، إذ تجد الجرأة على الله،
    والنفور من أحكامه، ووصفه بما لا يليق شائعة بين اليهود، شيوعها بين
    المشركين!


    فإذا غضب الإسلام على من ينسب إلى الله
    ولداً، بشراً أو حجراً، فماذا ترى فيمن يصف رب السموات والأرض بالفقر
    والبخل؟.


    {وَقَالَتْ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ
    أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا...}.


    {لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ
    فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمْ الْأَنْبِيَاءَ
    بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ}.


    على أن الإسلام يدع أولئك الجحدة في ضلالهم،
    فلا يستأصل كفرهم بالسيف، ويكتفي بأن يعلن دعوته، ويكشف حقيقته، ويملأ الجو بآياته
    ومعالمه.


    فمن استراح إليها فدخل فيها؛ فبها ونعْمَتْ،
    وإلا فهو وشأنه، ولا يطالبه الإسلام بشيء إلا الأدب والمسالمة، وترك الحق يسير من
    غير عائق أو نكير.


    ولقد جاء رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم)
    إلى المدينة فمد يده إلى اليهود مصافحاً، وتحمل الأذى مسامحاً، حتى إذا رآهم مجمعين
    على التنكيل به ومحو دينه، استدار إليهم، وجرت بينه وبينهم من الوقائع ما سنقص
    أخباره في موضعه...


    بتقوى الله والإخلاص له دعمت الناحية
    الروحية في هذا المجتمع الجديد.


    وبالإخاء الحق، تماسك بنيانه وتوثقت
    أركانه..


    وبالعدل والمساواة، والتعاون، رُسمت سياسة
    الأجانب، وعومل أتباع الأديان الأخرى.


    ومن ثم استقرت الأوضاع، ووجد المسلمون
    متسعاً لتجديد قواهم وترتيب شؤونهم.




    5.5 المصطفون الأخيار من صحابة رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم)
    وخبر الأذان للاجتماع للصلاة:




    إن المؤمنين الذين صحبوا الأنبياء واقتربوا
    من حياتهم أتيح لهم ما لم يتح لغيرهم من منابع الصفاء، ووسائل
    الارتقاء.


    إن مشاعرك ترق عندما تسمع النغم العذب،
    وعواطفك تسمو عندما تقرأ البطولة الرائعة، بل إنَّ الذين يحضرون تمثيل بعض الروايات
    المثيرة يصبغهم جو القصة المفتعلة، فيضحكون ويبكون، ويهدأون ويضجون.. فما ظنك بقوم
    يتبعون رجلاً تكلِّمه السماء، ويتفجر من جوانبه الكمال، ويسكب على من حوله آيات
    الطهر؟ فإذا ثقلت نفوسهم عن خير، دفع بها إلى الأمام، وإذا علقت بمسالكهم شهوة،
    نقّاها فرد عليها سناءها. إن للعظماء إشعاعاً يغمر البيئة التي يظهرون فيها، وكما
    يقترب المصباح الخامد من المصباح المشتعل فيضيء منه، تقترب النفوس المعتادة من
    الفرد الممتاز، فتنطوي في مجاله وتمشي في آثاره!!


    وقد التف بمحمد (صلَّى الله عليه وسلم) فريق
    من الربانيين الأتقياء، كانوا له تلاميذ مخلصين، فزكت -بصحبته- نفوسهم، وشفت
    طباعهم، حتى أشرق عليها من أنوار الإلهام ما جعلها تنطق بالحكمة وفصل
    الخطاب.


    ولا تحسبن العقل الجبار -مهما أوتي من نفاذ-
    يستطيع إدراك الكمال بقوته الخاصة، فإذا لم تسدده عناية عليا فإنه سيجوب كل أفق دون
    أن يبصر غاية أو يهتدي طريقاً، كالطيار الذي يضل في الجو عندما يتكاثر أمام عينيه
    الضباب. إنه يحكم القيادة، ويضبط الآلات، ويرسل أنوار مصابيحه في أحشاء الغيوم
    المتراكمة فإذا لم يتلق إرشاداً يحدد له مكانه وبعده وكيف يهبط.. فإنه سيظل يحلق
    عبثاً..ثم تهوي به الريح في مكان سحيق.


    وكم من فلاسفة عالجوا شؤون الكون والحياة.
    فمنهم من ضل عن الحق على طول بحثه عنه، فلم يصل إليه قط. ومنهم من استغرق في الوصول
    إليه أعواماً طوالاً، ولو مشى وراء الرسل لانتهى إليه في أيام قصار، وهو في مأمن من
    الشرود والعثار‍


    ثم إن الإنسان ليس عقلاً فحسب، إنه -قبل
    ذلك- قلب ينبغي أن يسلم من الأهواء والآثام، وأن ينجو من الشقاوة والظلام، وأن يكون
    في حنايا صاحبه قوة تسوق إلى الخير والحب، وحادياً يهفو إلى الجمال
    والرحمة..


    والمرسلون الكرام يتعهدون ضمائر البشر
    بالتعليم والتربية.


    وأشبه الناس بهم من اقتفى آثارهم وأخذ في
    طريقهم، وأول أولئك قاطبة من صحبوهم في حياتهم، وقاسموهم أعباء دعوتهم ومغارم
    جهادهم..


    قال عبدالله بن مسعود: "من كان مستناً
    فليستنّ بمن مات فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة. أولئك أصحاب محمد عليه الصلاة
    والسلام. كانوا أفضل هذه الأمة، أبرّها قلوباً وأعمقها علماً وأقلها تكلفاً.
    اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم على أثرهم،
    وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم وسيرهم، فإنهم كانوا على الهدى
    المستقيم..".


    ولا شك أن أصحاب محمد يرجحون أصحاب موسى
    وعيسى.


    فإن تاريخهم في الإيمان والجهاد وإبلاغ
    الدعوة إلى الأخلاف كاملة مضبوطة غير منقوصة ولا محرفة، لا يشبه أي تاريخ
    آخر..


    ونحن نسوق هذه المقدمة بين يدي الكلام عن
    الأذان، وكيف شرع؟ فإن ميلاد هذه الشعيرة العظيمة، يحمل معه آيات بيِّنة عن عظمة
    النفوس إذا صفت فنضحت بالحق، وسكن إليها الإلهام..


    قال ابن إسحاق: وقد كان رسول الله (صلَّى
    الله عليه وسلم) حين قدم المدينة إنما يجتمع الناس إليه للصلاة لحين مواقيتها بغير
    دعوة، فهمَّ رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم) أن يجعل بوقاً كبوق اليهود الذين
    يدعون به لصلاتهم، ثم كرهه، ثم أمر بالناقوس، فنحت ليضرب به للمسلمين للصلاة.
    فبينما هم على ذلك رأى عبدالله بن زيد بن ثعلبة أخو بني الحارث النداء، فأتى رسول
    الله فقال: يا رسول الله، إنه طاف بي هذه الليلة طائف، مر بي رجل عليه ثوبان أخضران
    يحمل ناقوساً في يده، فقلت: يا عبدالله، أتبيع هذا الناقوس؟ فقال: وما تصنع به؟
    قال: قلت ندعو به إلى الصلاة. قال: ألا أدلك على خير من ذلك؟ قلت ما هو؟ قال: تقول
    الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر. أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله
    إلا الله. أشهد أن محمداً رسول الله أشهد أن محمداً رسول الله. حيَّ على الصلاة
    حيَّ على الصلاة. حيَّ على الفلاح حيَّ على الفلاح. الله أكبر الله أكبر. لا إله
    إلا الله. فلما أخبر بها الرسول (صلَّى الله عليه وسلم) قال: إنها لرؤيا حق إن شاء
    الله! فقم مع بلال فألقها عليه فليؤذن بها، فإنه أندى صوتاً منك. فلما أذن بها بلال
    سمعه عمر وهو في بيته فخرج إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام وهو يجر رداءه يقول:
    يا نبي الله، والذي بعثك بالحق، لقد رأيت مثل الذي رأى!! فقال رسول الله (صلَّى
    الله عليه وسلم): فلله الحمد. وفي رواية: فأمر رسول الله بلالاً فأذن به. قال
    الزهري: وزاد بلال في نداء صلاة الغداة: الصلاة خير من النوم مرتين. فأقرها رسول
    الله.


    وفي رواية أخرى رأى عمر في المنام: لا
    تجعلوا الناقوس، بل أذِّنوا للصلاة، فذهب عمر إلى النبي (صلَّى الله عليه وسلم)
    ليخبره بما رأى وقد جاء النبي عليه الصلاة والسلام الوحي بذلك.


    فما راع عمر إلا بلال يؤذن فقال رسول الله
    حين أخبره بذلك: قد سبقك بذلك الوحي.


    وهذا يدل على أن الوحي قد جاء بتقرير ما رآه
    عبدالله بن زيد..


    هذه الكلمات الطيبة التي ترتفع بين الحين
    والحين تقرع الآذان، وتوقظ القلوب، وتصيح بالناس: هلموا إلى الله..وعاها في رؤيا
    صالحة ذهن نيِّر، فأسرع بها إلى رسول الله يرويها كما ألقيت في روعه، لتكون نداء
    المسلمين إلى الصلاة ما أقيمت على ظهر الأرض صلاة..


    وتجاوب النفوس مع الوحي هو غاية التألق وقمة
    الحق، وهو أمارة على أن الهدى أصبح غريزة فيها، فهي تستقيم عليه في اليقظة والنوم،
    وتتجه إليه على البديهة وبعد التروي، وكان رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم) يربط
    أصحابه بالوحي النازل عليه من السماء ربطاً موثقاً، يقرؤه عليهم ويقرأونه عليه،
    لتكون هذه المدارسة إشعاراً بما على الصحاب من حقوق الدعوة وتبعات الرسالة، فضلاً
    عن ضرورة الفهم والتدبر!!


    عن عبدالله بن مسعود قال رسول الله (صلَّى
    الله عليه وسلم): اقرأ علي القرآن!! فقلت يا رسول الله: أقرأ عليك وعليك أنزل؟!
    قال: إني أحب أن أسمعه من غيري! قال: فقرأت عليه سورة النساء حتى جئت إلى هذه
    الآية: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى
    هَؤُلَاءِ شَهِيدًا} قال حسبك الآن، فالتفت إليه، فإذا عيناه
    تذرفان..


    زاد في رواية (شهيداً ما كنت
    فيهم..).


    وإذا كان الاهتداء إلى ألفاظ الأذان قد
    ترشحت له سريرة مصفّاة، مشغوفة بالعبادة، مشغولة بالحق، فإن من أصحاب محمد (صلَّى
    الله عليه وسلم) كذلك من اندمجوا في معاني الإيمان، وخلصوا لمعين الرسالة؛ حتى إن
    الله أمر رسوله أن يقرأ عليهم بعض سور القرآن، تنويهاً بمكانهم عند الله ورسوخهم في
    آياته.


    عن أنس بن مالك قال رسول الله لأبيِّ بن
    كعب: "إن الله أمرني أن أقرأ عليك": {لَمْ يَكُنْ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ
    الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ..} قال أبيِّ: وسمّاني؟ قال: نعم، وفي
    رواية آلله سماني لك؟ قال: نعم. قال: وقد ذكرت عند رب العالمين؟ قال: نعم، قال:
    فذرفت عيناه...




    6.5 الارتقاء الروحي والجماعي الذي أدركه الصحابة لمعنى
    العبادة:




    وسر الارتقاء الروحي والجماعي الذي أدركه
    صحابة محمد أنهم كانوا موصولين بالله على أساس صحيح، فلم يشعروا في العمل له بما
    يشعر به الكثيرون من عنت وتكلف، ولا بما يعانون من شرود وحيرة.


    هناك طبيعتان في الإنسان غير منكورتين:
    الإعجاب بالعظمة، والعرفان بالجميل، فعندما ترى آلة دقيقة أو جهازاً عجيباً أو صورة
    رائعة أو مقالاً بليغاً فإنك لا تنتهي من تبين حسنه حتى تنطوي جوانحك على الإعجاب
    بصاحبه، فإن الذكاء العميق والاقتدار البارز يجعلانك تهتز من تلقاء نفسك احتراماً
    للرجل الذكي القدير!.


    وكذلك عندما يسدى إليك معروف أو تمتد يد
    إليك بنعمة إنك تذكر هذا الصنيع لمن تطوع به، وعلى ضخامة ما نلت من خير يلهج لسانك
    بالثناء ويمتلىء فؤادك بالحمد، كما قال الشاعر:


    أفادتكم النعماء مني ثلاثة يدي، ولساني،
    والضمير المحجبا!!




    ورسول الإسلام جاء يثير هاتين الطبيعتين نحو
    أحق شيء بهما، ألست تعجب بالعظمة وتحتفي بصاحبها! ألست تقدر النعمة وتشكر
    مسديها!


    إنك ترمق بإجلال مخترع الطيارة، وكلما
    رأيتها تشق الفضاء زدت إشادة بعبقريته! فما رأيك فيمن يدفع الألوف المؤلفة من
    الكواكب تطير في جو السماء من غير توقف ولا عوج! وما رأيك فيمن خلق عقل هذا
    المخترع، وأودع في تلافيف مخه الذكاء الذي وصل به إلى ما راعك واستثار
    إعجابك؟


    أليس ربك ورب كل شيء أحق بأن تعرف عظمته
    وتفتح عيونك على آثار قدرته...؟


    فإذا عرفت عظمته من عظمة الوجود الذي يحيط
    بك خجلت من التهجم عليه ونسبة مالا يليق إليه!! وقلت مع العارفين: {رَبَّنَا مَا
    خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ
    النَّارِ}.


    إنك لو استضافك شخص كريم ورأيت البشاشة في
    وجهه والسماحة في قراه حفظت له -ما حييت- هذه المنة، وسعيت جهدك كي تكافئه عليها،
    وحدثت من تعرف بسجايا هذا المضياف الكريم، فما رأيك فيمن تولى أمرك بنعمائه من
    المهد إلى اللحد؟ فأنت لا تطعم إلا من رزقه، ولا تكسى إلا من ستره، ولا تأوي إلا
    إلى كنفه، ولا تنجو من شدة إلاّ بإنقاذه...!!


    إن محمداً (صلَّى الله عليه وسلم) وصل الناس
    بربهم على ومضات لطاف من تقدير العظمة ورعاية النعمة، فهم إذا انبعثوا لطاعته كانوا
    مدفوعين إلى أداء هذه الطاعات بأشواق من نفوسهم ورغبات كامنة تجيش بتوقير العظيم
    وحمد المنعم...


    والعبادة ليست طاعة القهر والسخط، ولكنها
    طاعة الرضا والحب!


    والعبادة ليست طاعة الجهل والغفلة، ولكنها
    طاعة المعرفة والحصافة!


    قد تصدر الحكومة أمراً بتسعير البضائع فيقبل
    التجار كارهين؛ أو أمراً بخفض الرواتب فيقبل الموظفون ساخطين.


    وقد تشير إلى البهيمة العجماء فتنقاد إليك
    لا تدري إلى مرتعها تسير أم إلى مصرعها.


    تلك أنواع من الطاعات بعيدة عن معنى العبادة
    التي شرع الله للناس، فالعبادة التي أجراها الله على الألسنة في الآية الكريمة
    {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} والتي جعلها حكمة الوجود وغاية الأحياء
    في قوله:


    {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا
    لِيَعْبُدُونِي}.


    تعني الخضوع المقرون بالمعرفة والمحبة، أي
    الناشىء عن الإعجاب بالعظمة والعرفان للجميل..


    وقد اطَّردت آيات القرآن تبني سلوك المؤمنين
    على هذه العمد الراسية.


    فهي -إذ تعرِّف الناس بالله- تريهم صحائف
    مشرقة من خلقه البديع، وفضله الجزيل، تمزق ما نسجته الغفلة على الأعين من جهالة
    وجحود.


    {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنْ
    السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ
    لَكُمْ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمْ
    الْأَنهَارَ. وَسَخَّرَ لَكُمْ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمْ
    اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ. وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا
    نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ
    كَفَّارٌ}.


    إن الرجل لا يقوم بالعمل العظيم وهو منساق
    إليه بالسياط الكاوية، إنما تولد الإجادة ويبلغ الشيء درجة الإحسان بما يقارنه من
    رغبة ورضا.


    فإذا أقبل المرء بفكره وقلبه على معتقد وهب
    له نفسه وحسه، وعاش يحلم به في منامه، وينشط له في يقظته، فذلك يرقى به صعداً في
    فهم مبدئه وإجادة خدمته.


    ومن ثَمَّ فإن الإسلام لا يحفل بالإيمان
    النظري البحت ولا يقبله إلا ليكون سُلّماً إلى ما بعده، وهو الإيمان بالعقل
    والعاطفة معاً.


    لابد من تلوين الوجدان في قضايا الإيمان،
    ليس بمسلم من يعرف الله ويكرهه، ولا قيمة لمسلم يعرف الله ووجدانه خال باهت، فلا
    إعجاب فيه ولا شكران، كما أنه لا غمط فيه ولا جحود.


    والمسلم كل المسلم هو الذي يعرف الله معرفة
    اليقين، ويضم إلى هذه المعرفة إحساساً يعترف بمجادة المجيد ونعماء المنعم، تباركت
    أسماؤه!


    والإيمان بهذه المثابة هو الإيمان المنتج،
    وهو صانع العجائب، وباني الدول، ومقيم الحضارات السنية، هو الذي يجعل الفرد يستحلي
    التكاليف المنوطة بعنقه، فيقبل على أدائها وكأنها رغبات نفس لا واجبات
    دين..


    أتظن أن رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم)
    عندما قام يصلي حتى تورمت أقدامه كان يغالب الألم الناتج في بدنه كما يغالبه
    التلميذ المذنب، عندما يوقف الساعات الطوال معذباً مهاناً؟


    كلا..كلا..إن استعذابه للمناجاة واستغراقه
    في الخشوع أذهلاه عما به، وغلبا على بوادر الألم الناشىء من طول
    الوقوف.


    والرجل الموفور الحماس، الفائر العاطفة، قد
    يظل يعمل ويدأب حتى يصل في عمله ودأبه إلى درجة يصعب منالها على القاعدين
    الباردين.


    ووزن الأمور عند أصحاب الإيمان والهمم غير
    وزنها عند أصحاب الريبة والعجز، ألا ترى حذيفة بن اليمان عندما انطلق يتعرف أحوال
    المشركين في غزوة الخندق، في ليلة باردة قارصة الجو لافحة
    السبرات:


    لا ينبح الكلب فيها غير واحدة حتى يلف على
    خيشومه الذنبا!


    لقد انطلق وهو يقول عن نفسه: كأنما أسير في
    حَمّام..


    هذه حرارة الإيمان غمرت -بدفئها- الرجل،
    وجعلته ينفذ في كبد الليل البارد وكأنه سهم مسدد.


    هذا الإيمان المرتكز على العواطف المتقدة،
    هو الذي أشعل المعارك الطاحنة، وقاد إلى النصر المظفر، وهو الذي هدم ما تركز قروناً
    طويلة في سلطان الظلم والبغي، بعدما ظن أنه لن يطيح أبداً.


    وأساسه ما علمت من تغلغل الإيمان في العقل
    والعاطفة معاً، يغذو شجرته الباسقة مزيد من معرفة الله والشعور بعظمته
    ونعمته.


    ذلكم أسلوب القرآن في تعريف الناس بالله.
    إنه أسلوب يقيمهم على عبودية الحب والتفاني، لا على عبودية التحقير والهوان، عبودية
    الإعجاب بالعظمة والإقرار بالإحسان، لا العبودية المبهمة التي تصادر الإرادة وتزري
    بالإنسان.


    {قل: الحمدُ لله وسلامٌ على عبادِهِ الذين اصطفى؛ آللهُ خيرٌ أمّا
    يشركون؟ أمَّنْ خلق السموات والأرضَ، وأنزلَ لكم من السماءِ ماءً، فأنبتنا به حدائق
    ذاتَ بهجةٍ ما كان لكم أن تنبتوا شَجَرها؛ أإلهٌ مع اللهِ؛ بل هم قومٌ يَعدِلون!.
    أَمَّنْ جَعل الأرضَ قراراً، وجعل خلالها أنهاراً، وجعلَ لها رَواسيَ، وجعل بين
    البحرين حاجزاً؟ أإِلهٌ مع اللهِ، بل أكثرهم لا يعلمون!. أمَّنْ يجيب المضطر إذا
    دعاه، ويكشفُ السوءَ، ويجعلكم خلفاءَ الأرضِ؛ أَإِلهٌ مع اللهِ! قليلاً ما
    تذكَّرون! أمَّنْ يهديكم في ظُلماتِ البرِّ والبحر، ومنْ يُرسلُ الرِّياح بُشْراً
    بين يدَي رحمته؛ أإلهٌ مع الله! تعالى عما يشركون!. أَمَّنْ يبدأ الخلق ثم يعيده،
    ومن يرزُقكم مِنَ السماءِ والأرضِ؛ أإلهٌ مع الله! قل هاتوا بُرهانكم إن كنتم
    صادقين}.


    إن هذا التساؤل المتواصل السريع يفتح على
    النفس آفاقاً بعيدة من الإيمان الذكي، ويجعلها تهرع إلى الله متجردة، تنفر من شوائب
    الشرك نفور الرجال الكبار من عبث الصبية.


    وآيات النظر والتفكير يدور -أغلبها- على هذا
    المحور الثابت.


    وربما احتاجت النفس -في ساعات غرورها- إلى
    لون من أدب القمع والتوعد يكبح جماحها، وهذا لا يتنافى -البتة- مع الأصل الذي
    قررناه آنفاً، فإن قسوة الأب مع ولده -حيناً- لا تغير من طبيعة الحنان
    فيه.


    والقرآن إذ يحرك المواهب السامية في الإنسان
    -بعرض آثار القدرة العليا عليه- قد يردف ذلك بوخزات الإحساس المخدر، ليلتفت ويعقل،
    لا لينكمش ويجبن.


    قال تبارك وتعالى: {أَلَمْ تَرَى أَنَّ
    اللَّهَ أَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ
    يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا
    ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُوْلِي
    الْأَلْبَابِ}.


    ويقول بعد ذلك:

    {أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى
    نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ
    أُوْلَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ}.


    وقد سلك رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم)
    المنهج نفسه في غرس الإيمان ورعاية ثماره.


    وكانت سيرته في الإقبال على الله درساً
    حياً، يفعم الأفئدة بإجلال الله وإعظامه والمسارعة إلى طاعته، والنفور من
    عصيانه.


    وكانت القلوب تتفتّح على هدى الله ورسوله،
    فما تسع بعده شيئاً.


    عن جُبير بن مُطعم سمعت النبي عليه الصلاة
    والسلام يقرأ في المغرب بالطور فلما بلغ الآية:


    {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَأَمْ
    خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَا يُوقِنُونَ أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ
    رَبِّكَ أَمْ هُمْ الْمُسَيْطِرُونَ}.


    كاد قلبي أن يطير..!!.

    ومد الإيمان من فكرة في الرأس إلى عاطفة في
    القلب تجعل الرجل ينبض باليقين والإخلاص هو من صميم السنة. وهو مهاد الخلال الفاضلة
    التي سادت المسلمين وأعلت شأنهم، وهو معنى الحديث المشهور "ثلاث من كنَّ فيه وجد
    بهن طعم الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن أحب عبداً لا يحبه
    إلا لله، ومن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في
    النار".


    ومن ذلك أيضاً أن يتغلغل الإيمان بالرسالة
    والمغالاة بصاحبها إلى حد ينسى الإنسان معه نفسه فهو -عن حب واندفاع، لا عن تكليف
    ورهبة- يفدي الرسالة وصاحبها بالنفس والنفيس.


    عن عبدالله بن هشام: قال: كنا مع النبي عليه
    الصلاة والسلام وهو آخذ بيد عمر، فقال عمر: يا رسول الله، لأنت أحب إليَّ من كل شيء
    إلا نفسي! فقال الرسول (صلَّى الله عليه وسلم): لا -والذي نفسي بيده- حتى أكون أحبّ
    إليك من نفسك، فقال عمر: فإنه الآن لأنت أحبُّ إلي من نفسي! فقال رسول الله (صلَّى
    الله عليه وسلم): الآن يا عمر.."، أي الآن فقط تم إيمانك.


    وهذا الحديث يحتاج إلى إيضاح. إن الفضائل لا
    يجوز أن تطيش بها كفة.


    وقد احترم الناس خلق الوفاء في السموأل لمّا
    ترك ابنه يذبح، مؤثراً أن تسلم ذمته، ويرد إلى من ائتمنه
    وديعته.


    والمرء إذا ضحى بنفسه فداء شرفه، فقد أدى
    واجبه.


    ومحمد (صلَّى الله عليه وسلم) لم يطلب من
    الناس أن يقدسوا فيه صورة اللحم والدم، ولا أن يرغبوا بنفسه عن أنفسهم ليموتوا كي
    يحيا أو ليهونوا كي يعظم، أو ليفتدوا أمجاده الخاصة بأرواحهم وأموالهم، أو ليتأله
    فوقهم كما تأله فرعون وأمثاله من الجبارين.


    كلا كلا، فمحمد يريد من المؤمنين أن يقدسوا
    فيه معنى الرسالة وأن يقتدوا فيه مثلها العالية، وأن يصونوا -في شخصه- معالم الحق
    المنزل ومآثر الرحمة العامة.


    إن الأنبياء لم يحيَوا لأنفسهم، والمصيبة
    فيهم لا تنزل بهم أو بأهلهم خاصة.


    إنهم يحيون للعالم كله. أليسوا مناط هدايته
    التامة وسعادته العامة؟


    فلا غرو إذ كانت تفديتهم من أصول الإيمان
    ومعاقد الكمال.


    وقد كان محمد (صلَّى الله عليه وسلم) أهلاً
    لأن يحب؛ وما تعرف الدنيا رجلاً فاضت القلوب بإجلاله، وتفانى الرجال في حياطته
    وإكباره مثل ما يعرف ذلك لصاحب الرسالة العظمى محمد بن عبدالله عليه الصلاة
    والسلام.



      الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين أكتوبر 23, 2017 8:07 pm