منتدى المركز الثقافي لبلدية بليمور

منتدى للابداع و الثقافة

المواضيع الأخيرة

» كلمات × كلمات
الإثنين أغسطس 01, 2011 4:53 am من طرف foufou90

» قـوآرب فـي بحــر الـحــيـــــآة
الإثنين أغسطس 01, 2011 4:02 am من طرف foufou90

» برنامج تحويل الفلاش الي رام روعه
الخميس يونيو 16, 2011 7:56 pm من طرف Admin

» برنامج فك باسورد اي ملف مضغوط روعه
الخميس يونيو 16, 2011 7:54 pm من طرف Admin

» هل تعلم أسرار عالم النوم
الخميس يونيو 16, 2011 2:07 pm من طرف Admin

» أروع مــا قيــل فـى الغــزل
الخميس يونيو 16, 2011 1:58 pm من طرف Admin

» عشرون نصيحة للطلاب في الاختبارات
الخميس يونيو 16, 2011 3:00 am من طرف foufou90

» موضوع عن الرياء كلمة عن الرياء
الخميس يونيو 16, 2011 2:55 am من طرف foufou90

» حقائق ستنصدم بأنها مُجرّد خرافات
الخميس يونيو 16, 2011 2:45 am من طرف foufou90

التبادل الاعلاني

احداث منتدى مجاني

    ذكر شهداء أحد:

    شاطر

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 453
    نقاط : 15642
    تاريخ التسجيل : 09/04/2011
    الموقع : بلدية بليمور

    ذكر شهداء أحد:

    مُساهمة  Admin في الأربعاء مايو 11, 2011 2:39 pm


    ذكر شهداء أحد:



    أخذت قريش طريقها إلى مكة وقد استخفها النصر
    الذي أحرزته.


    إنها طارت به على عجل، كأنها غير واثقة مما
    نالت بعد الهزيمة التي حاقت بها أول القتال!!.


    وأقبل المسلمون يتحسَّسون مصابهم في الرجال،
    ويجهِّزون القتلى لمضاجعهم التي يبرزون منها للقاء الله يوم ينفخ في
    الصور.


    روى ابن إسحاق: أن رسول الله (صلَّى الله
    عليه وسلم) قال: من رجل ينظر لي ما فعل سعد بن الربيع؟ أفي الأحياء هو أم في
    الأموات؟ فقال رجل من الأنصار: أنا. فنظر، فوجده جريحاً في القتلى وبه رمق. فقال
    له: إن رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم) أمرني أن أنظر، أفي الأحياء أنت أم في
    الأموات؟ فقال: أنا في الأموات، فأبلغ رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم) سلامي! وقل
    له: إن "سعد بن الربيع" يقول لك: جزاك الله عنا خير ما جزى نبياً عن أمته! وأبلغ
    قومك عني السلام وقل لهم: إن "سعد بن الربيع" يقول لكم: إنه لا عذر لكم عند الله إن
    خُلِص إلى نبيكم وفيكم عين تطرف...!!


    قال: ثم لم أبرح حتى مات، وجئت النبي عليه
    الصلاة والسلام فأخبرته خبره.


    وأمر رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم) بدفن
    الشهداء حيث قتلوا، ورفض أن ينقلوا إلى مقابر أسرهم.


    قال جابر بن عبدالله: لما كان يوم أحد جاءت
    عمتي بأبي لتدفنه في مقابرنا، فنادى منادي رسول الله: ردُّوا القتلى إلى
    مضاجعهم.


    وكان رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم) يجمع
    بين الرجلين من قتلى "أحد" في ثوب واحد، ثم يقول: أيهم أكثر أخذاً للقرآن؟ فإذا
    أشير إلى أحدهما قدمه في اللحد، وقال: أنا شهيد على هؤلاء! وأمر بدفنهم بدمائهم ولم
    يصلِّ عليهم، ولم يغسلهم..


    ولما انصرف عنهم قال: "أنا شهيد على هؤلاء،
    أنَّه ما من جريح يجرح في سبيل الله إلا والله يبعثه يوم القيامة يدمى جرحه، اللون
    لون دم، والريح ريح مسك".


    إن معركة "أحد" تركت آثاراً غائرة في نفس
    النبي عليه الصلاة والسلام ظلت تلازمه إلى آخر عهده بالدنيا. في هذا الجبل الداكن
    الجاثم حول "يثرب" أودع (محمد) أعزّ الناس عليه وأقربهم إلى قلبه.فالصفوة النقية
    التي حملت أعباء الدعوة، وعادت في سبيل الله الأقربين والأبعدين، واغتربت بعقائدها
    قبل الهجرة وبعدها، وأنفقت وقاتلت، وصبرت وصابرت، هذه الصفوة اختط لها القدر مثواها
    الأخير في هذا الجبل الأشم، فتوسدت ثراه راضية مرضية. وكان رسول الله يتذكر سِيَر
    أولئك الأبطال ومصائرهم فيقول:


    "أُحُدٌ جبل يحبنا ونحبه".

    فلما حانت وفاته جعل آخر عهده بذكريات
    البطولة أن يزور قتلى "أحد" وأن يدعو الله لهم، وأن يعظ الناس
    بهم!!.


    عن عقبة بن عامر قال: صلَّى رسول الله
    (صلَّى الله عليه وسلم) على قتلى "أحد" بعد ثمان سنين كالمودع للأحياء والأموات، ثم
    طلع المنبر فقال: "إني بين أيديكم فَرَط، وأنا عليكم شهيد، وإن موعدكم الحوض، وإني
    لأنظر إليه من مقامي هذا. وإني لست أخشى عليكم أن تُشركوا، ولكن أخشى عليكم الدنيا
    أن تنافسوها!!".


    قال عقبة: فكان آخر نظرة نظرتها إلى رسول
    الله.


    على أن المسلمين دفنوا موجدتهم في أفئدتهم،
    ولم يستسلموا لأحزان المصاب الذي حل بهم، وكان تكاثر خصومهم حولهم سبباً في أن
    يقاوموا عوامل الخور، وأن يبدوا للناس بقية من قوة ترد عنهم كيد المتربصين. على نحو
    ما قال الشاعر:


    وتجلدي للشامتين أريهـــــــــــــــم أني
    لريبِ الدهر لا أتضعضع


    وقد كانت الهزيمة في "أحد" فرصة انتهزها
    المنافقون واليهود، وكل ذي غَمْر على محمد عليه الصلاة والسلام ودينه وأصحابه،
    ففارت المدينة كالمرجل المتقد، وكشف عن عداوته من كان قبلاً يواريها، وتحدث
    الكافرون بالإسلام عن خذلان السماء للنبيِّ المرسل من عند الله.


    فرأى الرسول (صلَّى الله عليه وسلم) أن يعيد
    تنظيم رجاله على عجل، وأن يتحامل الجريح مع السليم على تكوين جيش جديد، يخرج في
    أعقاب قريش ليطاردها ويمنع ما قد يجد من تكرار عدوانها!!.


    كانت معركة "أُحد" في يوم السبت لخمسة عشر
    من شوال، وكان خروج هذا الجيش في الأحد لستة عشر منه...


    وسار رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم)
    والمسلمون معه حتى بلغوا حمراء الأسد، واقتربوا من جيش أبي سفيان. وكان رجال قريش
    -بعد أن ضمَّهم الفضاء الرحب- قد عادوا إلى التفكير فيما حدث، وأخذوا يتلاومون يقول
    بعضهم لبعض: لم تصنعوا شيئاً، أصبتم شوكة القوم، ثم تركتموهم ولم تبتروهم، وقد بقيت
    منهم رؤوس يجمعون لكم!.


    إلا أن هذا التفكير تزلزل إثر ما عرفت قريش
    أن المسلمين عبأوا قواهم وخرجوا يستأنفون القتال.


    وحار المشركون في أمرهم: أيعودون لحرب لا
    يأمنون مغبتها، وربما أفقدتهم ثمار النصر الذي أحرزوه؟ أم يمضون -لتوهم- إلى مكة ؟
    وفي هذه الحال يتحسن مركز المسلمين، وتخف مرارة الهزيمة التي
    لحقتهم.


    وقد رأى "أبو سفيان" أن يغنم الأوبة
    الرابحة، وأن يبعث إلى المسلمين من يقذف بالرعب في قلوبهم، ويخبرهم أن قريشاً عادت
    لاستئصال شأفتهم بعد أن تبين لها خطؤها في تركهم..!


    وعسكر المسلمون بـ "حمراء الأسد" ثم جاءهم
    دسيس أبي سفيان يغريهم بالعودة إلى يثرب نجاة بأنفسهم من كرّة المشركين عليهم، وهم
    لا يقدرون على ملاقاتهم!.


    بيد أن المسلمين قبلوا التحدِّي، وظلوا في
    معسكرهم يوقدون النار طيلة ثلاث ليال في انتظار قريش التي ترجَّح لديها أن النجاة
    بنفسها أولى، فعادت إلى مكة ، وعاد المسلمون إلى المدينة ليدخلوها مرة أخرى، أرفع
    رؤوساً، وأعز جانباً.


    وفي هذه المظاهرة الناجحة، وفيمن اشتركوا
    فيها على ألم الجراح وإرهاق التعب، وفي ثباتهم على التثبيط واطمئنانهم إلى جانب
    الله، نزلت الآيات الكريمة:


    {الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا
    أَصَابَهُمْ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ.
    الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ
    فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ
    الْوَكِيلُ. فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ
    سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ
    عَظِيمٍ}.




    14.6 الآثار التي خلفتها هزيمة أحد على
    المسلمين:




    انتقض على الإسلام كثير ممن هادنه أو
    داهنه.


    وبرغم مظهر البأس الذي أبداه المسلمون في
    مطاردة المشركين حتى "حمراء الأسد" فإن هزيمة "أحد" كانت أبعد غوراً مما
    يظنون.


    لقد جرأت عليهم أعراب البادية، وفتحت لهم
    أبواب الأمل في الإغارة على المدينة وانتهاب خيرها.


    كما أن يهود عالنوا بسخريتهم، وتركوا وساوس
    الغش تلح عليهم، وتكدِّر سيرتهم مع المسلمين.


    ومن أصعب الأمور قيادة الأمم عقب الهزائم
    الكبيرة وقيادة الدعوات بعد الانكسارات الخطيرة. وإن كان الرجال يستهلون الصعب،
    ويصابرون الأيام حتى يجتازوا الأزمات.


    وقد جاءت السنة الرابعة للهجرة والمسلمون
    لمّا يداووا جراحاتهم في "أحد"؛ إلا أن الأحداث لا تنتظر، فقد أخذ البدو يتحركون
    نحو المدينة، يحسبون أن ما فيها أصبح غنيمة باردة، وأول من تهيأ لغزو المدينة بنو
    أسد، فسارع رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم) إلى بعث أبي سلمة على رأس مائة وخمسين
    رجلاً، ليبغت القوم في ديارهم قبل أن يقوموا بغارتهم.


    ولم يَلْقَ أبو سلمة عناء في تشتيت أعدائه
    واستياق نعمهم أمامه، حتى عاد إلى المدينة مظفراً، وأبو سلمة يعد من خيرة القادة
    الذين صحبوا رسول الله وسبقوا إلى الإيمان والجهاد معه، وقد عاد من هذه الغزاة
    مجهوداً، إذ نغر عليه جرحه الذي أصابه في "أحد"، فلم يلبث حتى
    مات.


    وحاول "خالد بن سفيان الهذلي" أن يحشد
    الجموع لحرب المسلمين، فأرسل إليه النبي عبدالله بن أنيس فقتله وهو يجتهد في تأليب
    القبائل للهجوم على المدينة.


    وثارت "هذيل" لرجلها بأن أعانت على تسليم
    أسرى المسلمين إلى أهل مكة في غزوة الرجيع.


    وأصل قصة "الرجيع" هذه، أن وفداً من قبائل
    عَضَل والقَارَة، قدم على رسول الله يذكر أن أنباء الإسلام وصلت إليهم، وأنهم
    يحتاجون إلى رجال يعلمونهم الدين ويقرئونهم القرآن. فأرسل النبي معهم رهطاً من
    الدعاة يرأسهم "عاصم بن ثابت"، فانطلق الجميع حتى إذا كانوا بين "عسفان" و "مكة"
    قريباً من مياه "هذيل" شعر الدعاة بأن أصحابهم غدروا بهم واستصرخوا هذيلاً
    عليهم...


    وفزع الدعاة إلى أسلحتهم يقاتلون الغادرين
    ومن أعانهم من قبيلة هذيل، وماذا يجدي قتال نفر يعدّون على الأصابع لنحو مائة من
    الرماة، وراءهم قومهم يشدون أزرهم؟ لذلك لم يلبث عاصم وصحبه أن
    قتلوا.


    واستسلم للأسر منهم ثلاثة نفر، "خبيب" و"زيد
    بن الدثنة" و"عبدالله بن طارق"، فاسترقهم الهذليون وخرجوا بهم إلى مكة ليبيعوهم
    بها. ومعنى بيعهم بمكة تسليمهم للقتلة المتربصين. فإن أولئك النفر من الرجال الذين
    قاتلوا مع رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم) في "بدر" و"أحد"، ولأهل مكة لديهم ترات
    يودون الاشتفاء منها، وقد حاول عبدالله الإفلات من هذا المصير فقتل. وأما "خبيب"
    و"زيد" فأخذهما رجال قريش ليقتلوهما، أخذاً بثأرهم القديم.


    فأما "زيد" فابتاعه صفوان بن أمية ليقتله
    بأبيه، ولما خرجوا به من الحرم، اجتمع حوله رهط من قريش -فيهم أبو سفيان بن حرب-
    فقال له أبو سفيان -حين قُدِّم ليقتل-: أنشدك بالله يا زيد أتحب أن محمداً الآن
    عندنا مكانك تضرب عنقه وأنك في أهلك؟ فقال: والله ما أحب أن محمداً الآن في مكانه
    الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وإني جالس في أهلي.


    فقال أبو سفيان: "ما رأيت من الناس أحداً
    يحب أحداً كحب أصحاب محمد محمداً" ثم قُتل زيد.


    وأما "خبيب" فقد اشتراه عقبة بن الحارث
    ليقتله بأبيه، فلما خرجوا بـ"خبيب" من الحرم ليصلبوه قال لهم: إن رأيتم أن تدعوني
    حتى أركع ركعتين فافعلوا، قالوا: دونك فاركع. فركع ركعتين أتمهما وأحسنهما، ثم أقبل
    على القوم فقال:


    أما والله لولا أن تظنوا أني إنما طوّلت
    جزعاً من القتل لاستكثرت من الصلاة فكان "خبيب" أول من سن هاتين الركعتين عند القتل
    ثم رفعوه على خشبة.


    فلما أوثقوه قال: اللهم إنا قد بلَّغنا
    رسالة رسولك، فبلِّغه الغداة ما يصنع بنا. ثم قال: اللهم أحصهم عدداً واقتلهم
    بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، واستقبل الموت وهو ينشد:


    ولست أبالي حين أقتلُ مسلماً عَلى أيِّ جنبٍ
    كانَ في الله مصرعي


    وذلك في ذات الإله وإن يشأ يبارك على أوصال
    شِلْوٍ ممزع




    حزن المسلمون لفقدانهم عاصماً وصحبه، ولمصرع
    أسيرَيهم على هذا النحو الفاجع، فقد خسروا فريقاً من الدعاة الأكفاء الشجعان يحتاج
    إليهم الإسلام في هذه الفترة من تاريخه. ثم إن اصطياد الرجال بهذه الطريقة زاد
    المسلمين توجساً وقلقاً؛ إذ إن ذلك المسلك دل على مبلغ طماعية العرب في أهل الإيمان
    واستهتارهم بأرواحهم وجرأتهم على النيل منهم، دون تخوف أو محاذرة
    قصاص!.


    ومع أن هذه الواقعة توجب على المسلمين أن
    يتبصروا قبل بعث أي وفد لنشر الإسلام بين القبائل البعيدة والمجاهل المريبة؛ إلا أن
    ضرورة بث الدعوة -مهما فدحت الخسائر- جعلت النبي ينظر إلى هذه التضحيات على أنها
    أمر لابد منه. كالتاجر الذي يتحمل المغارم الثقيلة حيناً من الدهر، لأن الانسحاب من
    السوق -بغية تجنبها- قضاء عليه. فهو يبقى متجملاً حتى تهب الريح من جديد رخاء
    تعوِّض ما فقد. وذلك سر استجابة الرسول لأبي براء عامر بن مالك الملقَّب بملاعب
    الأسنّة حين عرض عليه أن يرسل وفداً من الدعاة ينشرون الإسلام بين قبائل
    نجد.


    وقد أبدى النبيُّ خشيته من أن يصاب رجاله
    بسوء، وسط قبائل ضارية لا يؤمن ذمامها. فقال أبو براء: أنا لهم
    جار!!.


    وخرج الدعاة من المدينة حتى بلغوا بئر
    معونة. وكانوا سبعين من خيار المسلمين يعرفون بالقرّاء، يحتطبون بالنهار ويصلُّون
    بالليل، ويحيَون على هذا النسق الرتيب من جهاد للحياة ورغبة في
    الآخرة.


    فلما أمرهم الرسول بالمسير لإبلاغ رسالات
    الله، خرجوا، وما كانوا يعرفون أنهم -جميعاً- يحثون الخطا إلى مصارعهم في أرض انتشر
    الغادرون في فجاجها...


    وحينما انتهى القرّاء إلى "بئر معونة" بعثوا
    أحدهم -حَرَام بن مِلْحان- إلى عامر بن الطفيل رأس الكفر في هذه البقاع، فأعطاه
    كتاب النبي الذي يدعوه فيه إلى الإسلام، فلم ينظر "عامر" في الكتاب وأمر رجلاً من
    أتباعه أن يغدر بحامل الرسالة، فما شعر حرام إلا وطعنة نجلاء تخترق ظهره وتنفذ من
    صدره، وكأن هذه الشهادة المفاجئة لاقت رجلاً يتمناها من قديم، فقد صاح حَرَامٌ على
    إثر ذلك: فزْت وربِّ الكعبة!.


    ومضى "عامر" في غشمه، فاستصرخ أعوانه
    ليواصلوا العدوان على سائر القوم، فانضمت إليه قبائل "رِعْل" و"ذَكْوان" و"القارة"
    فهجم بهم عامر على القرَّاء الوادعين.


    ورأى هؤلاء الموت مقبلاً عليهم من كل صوب،
    فهرعوا إلى سيوفهم يدفعون عن أنفسهم دون جدوى، إذ استطاع الأعراب الهمج أن يغشَوهم
    في رحالهم وأن يستأصلوهم عن آخرهم.


    وكان في سَرْح القرَّاء اثنان لم يشهدا هذه
    المأساة، منهم "عمرو بن أمية الضمري" ولم يعرفا النبأ المحزن إلا من أفواج الطير
    المتوحشة تنطلق نحو المعسكر محوِّمة حول الجثث الملقاة على الرمل الأعفر، طاعمة مما
    تستطيع اختطافه بأظافرها ومناقرها. قالا: والله إن لهذه الطير لشأناً فأقبلا لينظرا
    فإذا القوم مضرّجون في دمائهم، وإذا الخيل التي أصابتهم واقفة! قال زميل عمرو له:
    ماذا ترى؟ قال عمرو: أرى أن نلحق برسول الله نقصُّ عليه الخبر. لكن زميله كره هذا
    الرأي وكان له بين من استشهدوا صديق حميم يدعى المنذر، لذلك أجاب عمرو بن أمية
    قائلاً: ما كنت لأرغب بنفسي عن موطن قتل فيه المنذر! وما كنت لأبقى حتى أقصَّ خبره
    على الرجال! وهجم على الأعراب يقاتلهم حتى قتل وأخذ عمرو أسيراً، فأعتقه "عامر بن
    الطفيل" كبير الغادرين عن رقبة زعم أنها على أمه!.


    ورجع "عمرو" إلى النبي حاملاً معه أنباء
    المصاب الفادح، مصرع سبعين من أفاضل المسلمين، تذكر نكبتهم الكبيرة بنكبة "أحد" إلا
    أن هؤلاء ذهبوا في قتال واضح؛ وأولئك ذهبوا في غدرة شائنة.


    إن هذه النازلة ملأت قلوب المسلمين غيظاً،
    وهم لم يضيقوا بخسائرهم فحسب، بل الذي أحرج مشاعرهم في هذه الحادثة أنها كشفت عما
    تخبئه الوثنية في ضميرها من غل كامن على الإسلام وأهله، غلٍّ عصف بكل مبادىء الشرف
    والوفاء، وأباح لكل غادر أن يلحق الأذى بالمؤمنين متى شاء وكيف
    شاء.


    وفي طريق "عمرو" إلى المدينة لقي رجلين
    ظنهما من بني عامر، فقتلهما ثأراً لأصحابه ثم تبين أنهما من بني كلاب، وأنهما
    معاهدين للمسلمين.


    ولما قدم "عمرو" على الرسول عليه الصلاة
    والسلام وأخبره الخبر، قال النبي للناس: إن أصحابكم أصيبوا، وإنهم قد سألوا ربهم
    فقالوا: ربنا أخبر عنَّا إخواننا بما رضينا عنك ورضيت عنا.


    ثم قال النبي لعمرو: لقد قتلت قتيلين
    لأدينَّهما، وانشغل بجمع دياتهما من المسلمين وحلفائهم اليهود!.


    إن نجاح الإسلام في ترسيخ أقدامه بالجزيرة
    أحفظ قلوباً كثيرة، ولا ريب أن تأميل المسلمين في المستقبل، وارتقابهم المزيد من
    الفتح، زاد ضغن الضاغنين، وقد كان الناقمون والمتربصون يصفون المسلمين بالغرور
    {إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ
    دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ
    حَكِيمٌ}.


    غير أن هذه الكراهية اختفت أمداً بعد انتصار
    "بدر" بل لعل هذا النصر أغرى جمهوراً من الضعاف والمترددين بالانضواء تحت علم الدين
    الجديد. فلما تقلبت الليالي بالمسلمين، ولحقتهم الهزائم انفجر الحقد المكبوت، ونهض
    خصوم الإسلام يناوشونه في كل مكان.


    وقد قلنا: إن النبي (صلَّى الله عليه وسلم)
    أدرك هذه الحال بعد "أحد" فبذل جهده ليستعيد هيبة المسلمين ويوطد ما اضطرب من
    مكانتهم، ولذلك اشتد الصراع بين الجانبين: المشركون يظنون الفرصة سانحة لإتباع
    "أحد" بمثلها أو أشد، والمسلمون يرون محوها إلى الأبد.


    على أن الخسائر تلاحقت بالمسلمين في
    "الرجيع" و"بئر معونة" كما مر بك، ودخل الإيمان في محنة بعد أخرى، ومع هذه البأساء
    لم يفقد الرجال الواثقون صلتهم بربهم، واطمئنانهم إلى غدهم، وشرعوا يردون الضربة
    بمثلها، فلما تحرك اليهود في هذه الآونة العصيبة ليغتالوا رسول الله (صلَّى الله
    عليه وسلم) لم يتوان في إنزال العقوبة الرادعة بهم.



      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء أبريل 24, 2018 2:42 am