منتدى المركز الثقافي لبلدية بليمور

منتدى للابداع و الثقافة

المواضيع الأخيرة

» كلمات × كلمات
الإثنين أغسطس 01, 2011 4:53 am من طرف foufou90

» قـوآرب فـي بحــر الـحــيـــــآة
الإثنين أغسطس 01, 2011 4:02 am من طرف foufou90

» برنامج تحويل الفلاش الي رام روعه
الخميس يونيو 16, 2011 7:56 pm من طرف Admin

» برنامج فك باسورد اي ملف مضغوط روعه
الخميس يونيو 16, 2011 7:54 pm من طرف Admin

» هل تعلم أسرار عالم النوم
الخميس يونيو 16, 2011 2:07 pm من طرف Admin

» أروع مــا قيــل فـى الغــزل
الخميس يونيو 16, 2011 1:58 pm من طرف Admin

» عشرون نصيحة للطلاب في الاختبارات
الخميس يونيو 16, 2011 3:00 am من طرف foufou90

» موضوع عن الرياء كلمة عن الرياء
الخميس يونيو 16, 2011 2:55 am من طرف foufou90

» حقائق ستنصدم بأنها مُجرّد خرافات
الخميس يونيو 16, 2011 2:45 am من طرف foufou90

التبادل الاعلاني

احداث منتدى مجاني

    ذكر غزوة بني قريظة:

    شاطر

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 453
    نقاط : 16087
    تاريخ التسجيل : 09/04/2011
    الموقع : بلدية بليمور

    ذكر غزوة بني قريظة:

    مُساهمة  Admin في الأربعاء مايو 11, 2011 2:43 pm



    ذكر غزوة بني قريظة:



    انفضت حشود الأحزاب حول المدينة، وعادت
    المطيُّ بها من حيث أتت تذرع رحاب الصحراء وليس تحمل معها إلا الفشل والخيبة، وبقي
    يهود قريظة وحدهم، أو بقوا وبقيت غدرتهم التي فضحت طواياهم، فأصبحوا وأمسوا أشبه
    بالمجرم الذي ثبتت إدانته، فهو يرقب -بوجه كالح- قصاص العدالة
    منه.


    وكانت مشاعر التغيظ في أفئدة المسلمين نحو
    أولئك اليهود قد بلغت ذروتها، إنهم هم الذين استخرجوا العرب استخراجاً، واستقدموهم
    إلى دار الهجرة ليجتاحوها من أقطارها، ويستأصلوا المسلمين فيها، إن جراحات المسلمين
    لطردهم من ديارهم ومطاردتهم في عقيدتهم، واستباحة أموالهم ودمائهم لكل ناهب ومغتال،
    لمَّا تندمل بعد، بل لن تندمل أبداً، فكيف ساغ لأولئك الخونة من بني إسرائيل أن
    يرسموا بأنفسهم الخطة لإهلاك الإسلام وأبنائه على هذا النحو
    الذليل؟.


    ثم ما الذي يجعل بني قريظة خاصة -وهم لم
    يروا في جوار محمد إلا البر والوفاء- يستديرون بأسلحتهم منضمين إلى أعداء الإسلام
    كي يشركوهم في قتل المسلمين وسلبهم؟.


    وها قد دخل في حصونهم حيي بن أخطب رأس
    العصابة التي طافت بمكة ونجد تحرض الأحزاب على الله ورسوله، وتزعم أن الوثنية أفضل
    من التوحيد‍‍.


    لذلك، ما إن وثق المسلمون من منصرف الأحزاب
    عن المدينة حتى أمر رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم) مؤذناً فأذَّن في الناس: "من
    كان سامعاً مطيعاً فلا يصلينَّ العصر إلا في بني قريظة".


    والأذان للقتال في هذه الضحوة المشرقة
    بالظفر والنجاة قرع مسامع المسلمين ندياً جلياً، فهم في غمرة من الشعور بتأييد الله
    وملائكته لهم، أين هم اليوم مما كانوا عليه بالأمس القريب؟ إنهم مدينون بحياتهم
    وكرامتهم للعناية العليا وحدها..


    أما خصومهم، فإن قوى الكون المسخر بإذن الله
    هي التي فضَّت جموعهم وفلّت حدودهم. فلا غرو إذا قال رسول الله للمؤمنين-محدثاً عن
    الروح الأمين: "ما وضعت الملائكة السلاح بعد..إن الله يأمرك يا محمد بالمسير إلى
    بني قريظة، فإني عامد إليهم فمزلزل بهم".


    وقد صدع الرسول بالأمر وشدَّد على المسلمين
    أن يسارعوا في إنفاذه. روى البيهقي أن رسول الله قال لأصحابه: "عزمت عليكم أن لا
    تصلّوا العصر حتى تأتوا بني قريظة" فغربت الشمس قبل أن يأتوهم، فقالت طائفة من
    المسلمين: إن رسول الله لم يرد أن تدعوا الصلاة فصلّوا. وقالت طائفة: والله إنا لفي
    عزيمة رسول الله، وما علينا من إثم. فصلَّت طائفة إيماناً واحتساباً وتركت طائفة
    إيماناً واحتساباً، ولم يعنِّف رسول الله واحداً من الفريقين.


    وذلك يمثل احترام الإسلام لاختلاف وجهات
    النظر ما دامت عن اجتهاد بريء سليم، والناس غالباً أحد رجلين: رجل يقف عند حدود
    النصوص الظاهرة لا يعدوها، ورجل يتبين حكمتها ويستكشف غايتها، ثم يتصرف في نطاق ما
    وعى من حكمتها وغايتها ولو خالف الظاهر القريب.


    وكلا الفريقين يشفع له إيمانه واحتسابه،
    سواء أصاب الحق أو ندَّ عنه.


    ومن العلماء من أهدر الوقت المعيَّن للصلاة
    بعذر القتال. وذلك مذهب البخاري وغيره، وهذا -عندي- أدنى إلى الصواب. فإنّ ترتيب
    الواجبات المنوطة بأعناق العباد من أهم ما يحدّد رسالة المسلم في الحياة، بل إنه لا
    يفهم دينه فهماً صحيحاً إلا إذا فقه هذا الترتيب المطلوب.


    إن الإسلام تعاليم وأعمال شتى، فيها الفرائض
    وفيها النوافل.


    ولابد أن نعلم أن الله لا يقبل نافلة حتى
    تؤدّى الفريضة، فالرجل الذي يستكثر من أعمال التطوع في الوقت الذي يهمل فيه فرائض
    لازمة رجل ضال.


    والفرائض المطلوبة لحفظ الإيمان كالأغذية
    المطلوبة لحفظ الجسم.


    وكما أن الجسم لا يقوم بالمواد النشوية
    وحدها، أو الزلالية وحدها، بل لابد من استكمال جمل منوعة من الغذاء، وإلا تعرض
    الجسم لعلل قد تنهكه أو تقتله؛ فكذلك الدين، إنه لا قيام له في كيان الفرد أو في
    صفوف الجماعة إلاَّ بجملة من الفرائض الملونة، تصون حياته وتضمن عافيته
    ونماءه.


    وعلى المسلم أن يقسم وقته وأن ينظمه على هذه
    الفرائض المطلوبة، فلا يشغله واجب عن واجب، وبالأحرى لا تشغله نافلة عن
    واجب!.


    وقد رأى رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم)
    أن مباغتة بني قريظة قبل أن يستكملوا عدتهم ويقووا حصونهم، هو الواجب الأول في تلك
    الساعة فلا ينبغي أن ينشغل المسلم عنه ولو بالصلاة.


    فحدود وقت الصلاة تذوب أمام ضرورات
    القتال.


    وتستطيع -على ضوء هذا الإرشاد النبوي- أن
    نحكم على مسالك المسلمين اليوم. إنَّ المدرس الذي ينشغل عن تعليم تلامذته، والتاجر
    الذي ينشغل عن تثمير ثروته، والموظف الذي ينشغل عن أداء عمله، لا يقبل الله من
    أحدهم عذراً أبداً في تضييع هذه الفرائض، ولو كان أحدهم قد عاقه عن واجبه أنه صلى
    مائة ركعة، أو قرأ ألف آية، أو عدَّ أسماء الله الحسنى سبعين ألف مرة، كما يفعل
    جهّال المتصوفة.


    ذلك أنه انشغال عن الفرائض المطلوبة بنوافل
    لم تطلب، وتعطيل لأمة يستحيل أن تنهض إلا إذا أجهدت نفسها في محاربة جهلها وفقرها
    وفوضاها.


    والجهاد العام فريضة لا يغض من قدرها شيء،
    ولا يزاحمها على وقتها عبادة كما رأيت.


    حمل راية المسلمين إلى حصون قريظة علي بن
    أبي طالب، واستبق المسلمون يحتشدون حولها، حتى إذا اقترب الجيش من منازل اليهود كان
    القوم لا يزالون على غوايتهم، فقد نظروا إلى المسلمين ثم سبوا رسول الله ونساءه
    سباً قبيحاً.


    فرأى علي أن يصرف النبي (صلَّى الله عليه
    وسلم) بعيداً عن أولئك السفهاء، فاعترض طريقه وهو مقبل قائلاً: يا رسول الله لا
    عليك أن تدنوا من هؤلاء الأخابث، فقال: لم؟ أظنك سمعت لي منهم أذى؟ قال: نعم يا
    رسول الله، قال: لو رأوني لم يقولوا من ذلك شيئاً.


    فلما دنا من حصونهم قال: يا إخوان القردة،
    هل أخزاكم الله وأنزل بكم نقمته؟ قالوا: يا أبا القاسم، ما كنت
    جهولاً.


    هذه خلال اليهود، يسفهون إذا أمنوا، ويقتلون
    إذا قدروا، ويذكِّرون الناس بالمثل العليا إذا وجلوا، ليستفيدوا منها وحدهم لا لشيء
    آخر.


    أما العهود، فهي آخر شيء في الحياة يقفون
    عنده.


    على أن سفاهتهم لم تغنهم، فقد أحكم المسلمون
    الحصار عليهم، وأمسكوا بخناقهم، فاستيقن القوم أن الاستسلام لا محيص عنه، وامتلأت
    قلوبهم باليأس والفزع.


    قال "كعب" سيد بني قريظة: يا معشر يهود قد
    نزل بكم من الأمر ما ترون وإني عارض عليكم خلالاً ثلاثاً، فخذوا أيها شئتم. قالوا:
    وما هي؟


    قال نتابع هذا الرجل ونصدقه. فوالله لقد
    تبين لكم أنه لنبي مرسل، وأنه لَلَّذي تجدونه في كتابكم، فتأمنون به على دمائكم
    وأموالكم وأبنائكم ونسائكم.


    قالوا: لا نفارق حكم التوراة أبداً، ولا
    نستبدل به غيره.


    قال: فإذا أبيتم عليّ فهلمَّ فلنقتل أبناءنا
    ونساءنا، ثم نخرج إلى محمد وأصحابه رجالاً مصلتين السيوف لم نترك وراءنا ثَقلاً حتى
    يحكم الله بيننا وبين محمد وأصحابه، فإن نهلك، نهلك ولم نترك وراءنا نسلاً نخشى
    عليه، وإن نظهر، فلعمري لنجدنَّ النساء والأبناء.


    قالوا نقتل هؤلاء المساكين؟ فما خير العيش
    بعدهم.


    قال: فإن أبيتم عليّ هذه، فإن الليلة ليلة
    السبت، وإنه عسى أن يكون محمد وأصحابه قد أمنونا فيها، فانزلوا لعلنا نصيب منهم
    غرَّة.


    قالوا: نفسد سبتنا علينا، ونحدث فيه ما لم
    يحدث من كان قبلنا.


    قال: ما بات رجل منكم منذ ولدته أمه ليلة من
    الدهر حازماً.


    وحاول بنو قريظة أن يظفروا بصلح كالذي ناله
    إخوانهم بنو النضير من قبل، بيد أن المسلمين أبوا عليهم إلا أن يستسلموا دون قيد أو
    شرط، فإن ما أسلف هؤلاء من جرم بيِّن وغدر شائن أحفظ عليهم الصدور، فلم يبق فيها
    مكان لسماح، وتمحض الموقف للعدل المجرد يقرُّ الأمور في نصابها كيف
    يشاء.


    واستقدم اليهود -وهم محصورون- أبا لبابة بن
    عبد المنذر يستشيرونه. أينزلون على حكم محمد؟ فقال لهم: نعم، وأشار إلى حلقه، كأنه
    ينبههم إلى أنه الذبح؟ ثم أدرك -لفوره- أنه خان رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم)؛
    فمضى هائماً على وجهه حتى أتى مسجد المدينة، فربط نفسه في سارية فيه، وحلف ألا يفك
    منها حتى يتوب الله عليه.


    وقد قبل الله منه ندمه، ونزلت فيه بعد أيام
    الآية {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ
    سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ
    رَحِيمٌ}.


    واستمر الحصار خمساً وعشرين ليلة سمح
    المسلمون في أثنائها لليهود الذين رفضوا الغدر بالرسول عليه الصلاة والسلام أيام
    الأحزاب أن يخرجوا، فجزوهم عن وفائهم خيراً، وخلّوا سبيلهم ينطلقون حيث
    يبغون.


    ثم قرروا أن يهجموا على الحصون المغلقة
    ويقتحموها عَنْوة.


    فصاح عليّ: يا كتيبة الإيمان -ومعه الزبير
    بن العوام- والله لأذوقنَّ ما ذاق حمزة أو لأفتحنَّ حصنهم، فقال بنو قريظة: يا محمد
    ننزل على حكم سعد بن معاذ.


    فاستنزلوا من حصنهم وسيقوا إلى محبسهم، حتى
    جيء بسعد بن معاذ ليقضي في حلفائه بما يرى.


    وكان "سعد: سيد الأوس وهم حلفاء قريظة في
    الجاهلية، وقد توقع يهود أن هذه الصلة تنفعهم، وتوقع الأوس أيضاً من رجلهم أن
    يتساهل مع أصدقائهم الأقدمين، فلما استقدمه الرسول عليه الصلاة والسلام ليصدر حكمه،
    جاء من الخيمة التي يمرَّض فيها إثر إصابته بسهام الأحزاب، واكتنفه قومه يقولون له:
    يا أبا عمرو، أحسن في مواليك...


    لكن سعداً لم ينس -في ضجيج الرجاء الموجه
    إليه- أن الإسلام وأبناءه، والمدينة وثمارها وحرثها ونسلها وحرماتها، لم ينج من
    وطأة الأحزاب الهاجمين إلا بأعجوبة خارقة، وأن بني قريظة هؤلاء ومن آووهم، كانوا
    المحرضين والشركاء المقبوحين في هذه الحرب التي أعلنت لاستئصال التوحيد الحق
    واجتياح أهله.


    ولم ينس سعد كيف نقضت قريظة عهدها،
    واستقبلته بالألفاظ البذيئة عندما ذهب يناشدهم الوفاء! ألم يقل لهم يومئذ: أخشى
    عليكم مثل يوم بني النضير أو أمرَّ منه؟ فكان ردهم عليه: أكلت أير
    أبيك!!.


    لذلك ما لبث سعد أن صاح بقومه -وقد أكثروا
    عليه الرجاء-: قد آن لسعد ألاّ تأخذه في الله لومة لائم.


    وحكم سعد أن يقتل الرجال، وتسبى الذرية،
    وتقسم الأموال، وأقر النبيُّ هذا القضاء الحازم قائلاً لسعد: لقد حكمت فيهم بحكم
    الله من فوق سبع سماوات.


    وحفرت الخنادق بسوق المدينة لتنفيذ هذا
    الحكم، وسيق إليها مقاتلة اليهود أرسالا -طائفة بعد أخرى- ليدفعوا ثمن خيانتهم
    وغدرهم.


    قال اليهود لسيدهم كعب وهم يساقون لمصارعهم:
    ما تراه يصنع بنا؟ فقال: أفي كل موطن لا تعقلون؟ ألا ترون الداعي لا ينزع، وأنه من
    ذُهِب به منكم لا يرجع؟ هو -والله- القتل.


    أجل هو القتل. وإنما تقع تبعات الحكم به على
    من تعرض له بسوء صنيعه، وبما أسلف من نيات خبيثة لم يسعفها الحظ فتحقق، ولو قد
    تحققت لكان ألوف المسلمين هلكى تحت أقدام الأحزاب المنسابة من كل ناحية يحرضهم
    ويؤازرهم أولئك اليهود.


    وربما كانت مغامرات نفر من طلاب الزعامة
    سبباً في هذه الكارثة التي حلَّت ببني قريظة، ولو أن حييَّ بن أخطب وأضرابه سكنوا
    في جوار الإسلام وعاشوا على ما أوتوا من مغانم، ما تعرضوا ولا تعرض قومهم لهذا
    القصاص الخطير.


    لكن الشعوب تدفع من دمها ثمناً فادحاً
    لأخطاء قادتها.


    وفي عصرنا هذا دفع الروس والألمان وغيرهم من
    الشعوب أثماناً باهظة لأثرة الساسة المخدوعين..


    ولذلك ينعى القرآن على أولئك الرؤساء
    مطامعهم ومظالمهم التي يحملها غيرهم قبلهم.


    {أَلَمْ تَرَى إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا
    وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ. جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ
    الْقَرَارُ}.


    لقد جيء بحييٍّ ليلقى جزاءه، وحييٌّ -كما
    علمت- جرثومة هذه الفتن.


    فنظر إلى رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم)
    ثم قال: أما والله ما لمت نفسي في عداوتك، ولكن من يَخذلِ اللهُ يُخْذلْ، ثم أقبل
    على الناس، فقال: أيها الناس، لا بأس بأمر الله، كتاب وقدر، وملحمة كتبها الله على
    بني إسرائيل، ثم جلس فضربت عنقه!.


    وفي ذلك يقول الشاعر:

    لعمرك ما لام ابن أخطب نفســـــــه ولكنه من
    يَخذُلِ الله يُخذلِ


    لجاهد حتى أبلغ النفس عذرها وقلقل يبغي العز
    كل مقلقل


    والحق أن مشركي قريش ومن
    رجال يهود أناس واجهوا الموت بثبات.


    ولن تعدم المبادىء الباطلة والنحل الهازلة
    أتباعاً يفتدونها بالأرواح والأموال، غير أن شيئاً من هذا لا يجعل الباطل حقاً ولا
    الجور عدلاً.


    إن موقف اليهود من الإسلام بالأمس هو موقفهم
    من المسلمين اليوم.


    فألوف من إخواننا ذبحهم اليهود في صمتٍ وهم
    يحتلون فلسطين.


    والغريب أن اليهود تركوا من نصب لهم المجازر
    في أقطار أوروبا، وجبنوا عن مواجهتهم بشرٍّ!! واستضعفوا المسلمين الذين لم يسيئوا
    إليهم من اثني عشر قرناً، فنكلوا بهم على النحو المخزي الفاضح، الذي لا يزال قائماً
    في فلسطين...تشهده وتؤيده وتسانده دول الغرب.


    وفي طرد الأحزاب ودحر قريظة نزلت
    الآيات:


    {وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا
    خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا
    عَزِيزًا. وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ
    صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمْ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ
    وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا. وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ
    وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ
    قَدِيرًا}.


    فقد المسلمون في هذا الصراع مع المشركين
    أولاً، ومع أهل الكتاب ثانياً، عدداً يسيراً من رجالهم منهم "سعد بن معاذ". أجاب
    الله دعوته فمات شهيداً من جراحته التي أصابته يوم الأحزاب بعد أن شفى الله غيظه من
    يهود قريظة، وبعد أن تبين فشل قريش في هجومها على المدينة، وانقلابها لتُغزى في عقر
    دارها لا لتغزو الآخرين.


    ولم تنته الخصومة بين المسلمين واليهود
    بانهزام قريظة وانكسار شوكتها، فإن بعض مؤلبي الأحزاب على الإسلام فَرَّ إلى خيبر
    لائذاً بحصونها مستظهراً بإخوانه فيها، مثل أبي رافع بن أبي الحقيق، وهو شريكُ حييّ
    في التطواف بالقبائل التي يستجلبها إلى يثرب بغية الإتيان على الإسلام وأهله، وليس
    يؤمن لليهود شر ما بقيت لهم قدرة على فعله. وقد صوَّر حديث الرسول نقمة اليهود على
    الإسلام بقوله: "ما خلا يهودي بمسلم إلا همَّ بقتله" ولا نعرف لهذه النقمة الدفينة
    علّة إلاّ انحراف أصحابها عن الجادة. ومن حق المسلمين أن يحذروها، وأن لا يَدعو لها
    بقية تنمو على الزمن.


    لذلك خرج من المدينة خمسة من الخزرج ذاهبين
    إلى خيبر، بغيتهم القضاء على أبي رافع وإلقاء الذعر في قلوب شيعته، وقد أمَّر
    الرسول عليهم عبدالله بن عتيك، ونهاهم أن يقتلوا وليداً أو
    امرأة...


    وقدم المغامرون أرض خيبر، وانتهوا إلى دار
    ابن أبي الحقيق وقد أظلَّهم المساء. قال عبدالله بن عتيك لصحبه -عندما دنوا من
    الحصن-: امكثوا أنتم حتى أنطلق أنا فأنظر. قال: فاحتلت لأدخل الحصن، فإذا الخدم
    فقدوا حماراً لهم فخرجوا يطلبونه!! فخشيت أن أعرف، فغطيت رأسي وجلست كأني أقضي
    حاجة.


    فقال البواب -بعدما استرجعوا حاجتهم-: من
    أراد أن يدخل فليدخل قبل أن أغلقه، فدخلت واختبأت في مربط الدواب عند باب
    الحصن.


    وتعشى أبو رافع وصحبه، وأخذوا يسمرون حتى
    ذهبت ساعة من الليل، ثم انصرف عنه جلساؤه قافلين إلى بيوتهم، وهدأت الأصوات فما
    أسمع حركة. وخرجت وأنا أعرف أين وضع البواب مفاتيح الحصن فأخذتها وفتحت الباب حتى
    إذا أحس بي القوم انطلقت على مهل. ثم عمدت إلى أبواب غرفهم فغلقتها من ظاهر. ثم
    صعدت إلى أبي رافع -حيث يبيت في العلالي- فإذا البيت مظلم قد أطفىء سراجه، فلم أدر
    أين الرجل؟ فقلت: يا أبا رافع! قال: من هذا! فعمدت نحو الصوت فضربته، فصاح ولم تغن
    الضربة شيئاً.


    وجئت كأني أغيثه فقلت: ما لك يا أبا رافع؟
    -وغيرت صوتي- قال: لأمك الويل، دخل علي رجل فضربني بالسيف! فعمدت إليه فضربته ضربة
    ثانية، فصاح وقام أهله، فجئت مرة أخرى إليه وهو مستلق على ظهره فأجهزت عليه، ثم
    خرجت دهشاً حتى أتيت السلم أريد أن أنزل، فسقطت منه فانخلعت رجلي، فعصبتها وأتيت
    أصحابي أحجل.


    وعاد القوم إلى المدينة يبشِّرون من وراءهم
    أنهم أزاحوا من طريق الدعوة عقبة كأداء.


    تضعضع الكفر بعد هذه الوقعات الغليظة، ورست
    أصول الإسلام واطمأنت دولته، فما انتهت السنة الخامسة للهجرة حتى أصبح المسلمون قوة
    تفرض نفسها وتذيق المعاندين بأسها. واستيقنت قريش وأحلافها أن ردَّ المسلمين إلى
    عبادة الأوثان ضرب من المستحيل، كما استيقن اليهود أن خصامهم الخبيث للدين الجديد
    والرسالة الخاتمة لم يزدهم إلا خبالا.


    ولم تقع بعد غزوة الأحزاب هذا العام إلى
    أخريات السنة السادسة -أي إلى عمرة الحديبية - أحداث ذات بال.


    حاولت هُذيل أن تجمع للإغارة على المدينة،
    فقتل قائدها خالد بن سفيان، فقعدت. وهجم لصوص الأعراب على المدينة يقودهم "عيينة بن
    حصن" في خيل لغطفان، واستاقوا إبلها ثم ولّوا بها هاربين. غير أن سَلَمة بن الأكوع
    صرخ بأهل المدينة منذراً، وتبع المغيرين وحده يرميهم بالنبل ويسترد منهم اللقاح
    المنهوبة حتى أدركه فرسان المسلمين، فلما رآهم المشركون فروا بعدما قتل بعضهم
    وتركوا ما معهم.


    ويروي البخاري أن ذلك كان بعد الحديبية لا
    قبلها، ولعله أصح.


    وفي هذه الفترة تزوج النبي بأم حبيبة بنت
    أبي سفيان وكانت مهاجرة مع زوجها بالحبشة. فارتد صاحبها وهلك، وبقيت
    وحدها.


    فرأى النبي إعزازاً للسيدة التي تركت
    أباها-وهو زعيم مكة -وآثرت الهجرة إلى الله على البقاء في كنفه-أن يتزوجها، فأرسل
    إلى النجاشي مهرها ووكله عنها في العقد عليها.


    وتزوج كذلك زينب بنت جحش، وسنتكلم عن تفاصيل
    ذلك في الباب الذي نفرده بعد لتعدد الزوجات، وزوجات الرسول. كذلك، ويقال: إن
    الإسلام وقع في قلب "عمرو بن العاص" في هذه الأيام.


    فقد أثاره ما يلقاه محمد من ظفر، وقال لبعض
    صحبه:


    إني أرى أمر محمد يعلو الأمور علواً منكراً،
    ثم اقترح عليهم أن يلحقوا بالحبشة، ويرقبوا نتائج الصراع بين المسلمين
    وقومهم!!.


    فلما ذهب إلى الحبشة ورأى إكرام نجاشيها
    للرسول ومن ينتمي إليه، مال إلى الدخول في دين الله.


    ولكنه كتم ما بقلبه حتى اقترب فتح مكة،
    والتقى بخالد بن الوليد وكان خالد قد أجمع أمره على الإسلام وانتوى الذهاب إلى
    النبي (صلَّى الله عليه وسلم) في مهجره ليتبعه، قال له عمرو: أين يا أبا سليمان؟
    قال: والله لقد استقام الميسم -وضح الطريق- وإن الرجل لنبي! أذهبُ -والله- فأسلم
    فحتى متى؟!.


    وسر عَمْراً أن يجد صاحباً كخالد، فصارحه
    بما في نفسه، وانطلق الرجلان إلى يثرب مسلمين مهاجرين.


    وقصة إسلامهما -كما قلنا- قبيل الفتح، فإن
    خالداً كان في عمرة الحديبية قائداً لجيش قريش وهي تصد المسلمين عن زيارة البيت
    العتيق.








      الوقت/التاريخ الآن هو الأحد يوليو 22, 2018 12:57 am