منتدى المركز الثقافي لبلدية بليمور

منتدى للابداع و الثقافة

المواضيع الأخيرة

» كلمات × كلمات
الإثنين أغسطس 01, 2011 4:53 am من طرف foufou90

» قـوآرب فـي بحــر الـحــيـــــآة
الإثنين أغسطس 01, 2011 4:02 am من طرف foufou90

» برنامج تحويل الفلاش الي رام روعه
الخميس يونيو 16, 2011 7:56 pm من طرف Admin

» برنامج فك باسورد اي ملف مضغوط روعه
الخميس يونيو 16, 2011 7:54 pm من طرف Admin

» هل تعلم أسرار عالم النوم
الخميس يونيو 16, 2011 2:07 pm من طرف Admin

» أروع مــا قيــل فـى الغــزل
الخميس يونيو 16, 2011 1:58 pm من طرف Admin

» عشرون نصيحة للطلاب في الاختبارات
الخميس يونيو 16, 2011 3:00 am من طرف foufou90

» موضوع عن الرياء كلمة عن الرياء
الخميس يونيو 16, 2011 2:55 am من طرف foufou90

» حقائق ستنصدم بأنها مُجرّد خرافات
الخميس يونيو 16, 2011 2:45 am من طرف foufou90

التبادل الاعلاني

احداث منتدى مجاني

    المسلمون مع اليهود في غزوة خيبر:

    شاطر

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 453
    نقاط : 16792
    تاريخ التسجيل : 09/04/2011
    الموقع : بلدية بليمور

    المسلمون مع اليهود في غزوة خيبر:

    مُساهمة  Admin في الأربعاء مايو 11, 2011 2:45 pm



    المسلمون مع اليهود في غزوة خيبر:



    ب
    قي أمام المسلمين فريقان من الخصوم
    الألداء:


    أعراب البادية الذين يسيحون في عرض الصحراء
    كالإبل السائمة لا يعقلون شيئاً، فإذا لاح مغنم طاروا وراءه، وقلَّما يلفتهم حديث
    الإيمان بالله واليوم الآخر.


    وبنو إسرائيل الذين ظنوا النبوة حكراً
    عليهم، فهم لا يفتأون يجبِّهون المسلمين ويكذِّبون محمداً ويجحدون رسالته، وقد
    أغرتهم القشور التي ورثوها من التوراة فجادلوا المسلمين جدالاً طويلا، وحرصوا أشد
    الحرص ألاَّ يعترفوا بهم، ثم ذهبوا إلى حد التأليب عليهم كما رأيت، فكانت سيرتهم
    مزيجاً غريباً من الحقد والكِبْر والدس، ومع ما ألهب جلودهم من سياط كاوية في
    صراعهم مع المسلمين، فإنهم لم يتحولوا عن خطتهم المريبة قيد
    أنملة.


    وجمعت عداوة الإسلام بين الأعراب البله،
    وأهل الكتاب اليهود، وعندما فشلت الأحزاب في اقتحام يثرب، وجنت قريظة عقبى غدرها،
    لم يهدأ يهود خيبر، أو يحاولوا إصلاح شؤونهم مع المسلمين، كلا إنهم شرعوا يصلون
    حبالهم بغطفان والأعراب الضاربين حولهم ليؤلفوا ضد الإسلام جبهة أخرى، تكيد من جديد
    لمحمد وصحبه. لكن المسلمين كانوا أيقاظاً لهذه المؤامرات، فما إن عادوا من عمرة
    الحديبية آخر السنة السادسة حتى توجهوا في المحرم من السنة السابعة إلى خيبر لكسر
    شوكة بني إسرائيل بها.


    ولم يفت المسلمين قبل مسيرهم أن يفصموا
    الجبهة المؤلفة ضدهم من يهود وغطفان، فأوهموا غطفان أن الهجوم متجه إليهم، وأن قوة
    المسلمين توشك أن تلتف بهم، قال ابن إسحاق: بلغني أن غطفان لما سمعت بمنزل رسول
    الله (صلَّى الله عليه وسلم) من خيبر جمعت له؛ ثم خرجوا ليظاهروا يهود عليه، حتى
    إذا ساروا مرحلة سمعوا خلفهم في أموالهم وأهليهم حساً فظنوا أن القوم خالفوهم إليهم
    فرجعوا على أعقابهم، وأقاموا في أهليهم وأموالهم، وخلَّوا بين رسول الله وبين
    خيبر!!.


    وهكذا نجحت الخطة في عزل يهود خيبر عن
    حلفائهم المشركين.


    فلما أشرف رسول الله على القرية المحصنة،
    وتهيأ لمنازلة أهلها، قال لأصحابه قفوا، ثم تضرع إلى الله بهذا
    الدعاء:


    اللهم ربَّ السموات وما أظللن، وربَّ
    الأرضين وما أقللن، وربَّ الشياطين وما أضللن، وربَّ الرياح وما أذرَيْن. فإنا
    نسألك خير هذه القرية وخير أهلها وخير ما فيها، ونعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما
    فيها.


    ثم قال: أقدموا باسم
    الله...


    ويظهر أن اليهود ظنوا -أول وهلة- أن زحف
    المسلمين صوب غطفان، فلم يعيروا الأمر التفاتاً بل أصبحوا غادين إلى حقولهم
    بمساحيهم ومكاتلهم حتى فوجئوا بالمسلمين يسيرون نحوهم، فارتدوا إلى حصونهم فزعين،
    وهم يقولون: محمد والخميس!.


    إن اليهود -على ما ألف المسلمون من حروبهم-
    لا يعتمدون على تسيير الجيوش في الفضاء الرحب، تصيب ويصاب منها.. إنهم يكرهون
    اللقاء في تلك الميادين المكشوفة، وديدنهم الذي لا ينفكون عنه هو الكفاح من وراء
    الجدران.


    أذلك بقية حرصهم على الحياة وتوقّيهم
    الموت؟.


    فلما رآهم النبي عليه الصلاة والسلام يهرعون
    إلى حصونهم أراد أن يقذف في قلوبهم الرعب فصاح: الله أكبر هلكت خيبر، إنا إذا نزلنا
    بساحة قوم فساء صباح المنذرين.


    والقرى الفاجرة تجر على نفسها الهلاك إن
    عاجلاً وإن آجلاً، روي عن رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم) أنه قال: "إذا شاع
    الزنا والربا في قرية فقد أحلَّت بنفسها غضب الله".


    واليهود يشيع فيهم هذا الفساد المزدوج، فهم
    إلى اليوم دهاقين الربا في العالم، وهم قادة التبرج والعهر، ونسوتهم لا يرددن يد
    لامس، ولا ينفي هذا أن فيهم فئة تعرف الخلق والعفة، ولكنهم
    قليل:


    {وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ
    يَعْدِلُونَ}.


    والكثرة -لا القلة- هي التي تحدد مصاير
    الشعوب.


    وشنَّ المسلمون هجومهم على الحصون المشيدة،
    فبدأت تتداعى تحت وطأتهم حصناً بعد حصن، ودافع اليهود عنها دفاع المستميت، فإن خيبر
    أخصب أرضهم وأمنع بقاعهم.


    ولما بدأ الحصار يمتد وبنو إسرائيل إذا سقطت
    لهم قلعة تمسكوا بأخرى، قال رسول الله: "لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله
    ويحبه الله ورسوله!" فبات الناس يذكرون أيهم يعطاها.


    فلما أصبحوا غدوا إليه متطلعين إلى أخذها،
    فنادى النبي (صلَّى الله عليه وسلم) علي بن أبي طالب فأعطاها إياه، فقال علي: يا
    رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ قال انفذ على رِسْلك حتى تنزل بساحتهم، ثم
    ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله، فوالله لأن يهدي الله بك
    رجلاً واحداً خير من أن يكون لك حمر النعم.


    وإنما ساق رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم)
    هذا النصح الرشيد حتى يقطع تطلع النفوس إلى المغانم المعجلة، فإن ثروة يهود -إذا
    هزموا- ضخمة، ولكن ثواب مقاتليهم -إذا اهتدوا- أضخم.


    ولو نزل القوم على أحكام الله، وتركوا
    الخلال الدنيئة التي عاشوا بها وعاملوا الناس بسوئها لأراحوا واستراحوا، غير أنهم
    أبوا إلا الحرب، فهاجمهم عليٌّ وشدد النكير، حتى سقط الحصن واحتله
    المسلمون.


    وكان الشعار يوم خيبر: يا منصور أمِتْ
    أمِتْ.


    وخرج من حصون اليهود فارس يدعى مرحبا فنادى
    في المسلمين من يبارز؟ وهو ينشد:


    قد علمت خيبر أني مَرْحب شاكي السلاح بطل
    مُجرَّبُ


    أطعنُ أحياناً، وحيناً أضرب إذا الليوث
    أقبلت تحرَّبُ


    فقيل: فتك به علي بن أبي طالب، وقيل: بل
    قتله محمد بن مسلمة، وكان محمود بن مسلمة أخوه قد ألقيت عليه في أثناء الحصار رحى
    فصرعته فثأر محمد له بقتل مرحب، وبرز بعد قتل مرحب أخوه ياسر، فتصدى له الزبير،
    وكانت صفية أم الزبير بين النسوة اللائي خرجن مع الجيش معاونات في قتال بني
    إسرائيل، فخشيت على ابنها أن يُقتل، فقال لها النبي (صلَّى الله عليه وسلم): بل
    ابنك يقتله إن شاء الله، فصَرَعَ الزبير ياسراً.


    وتشبث اليهود بما بقي من حصونهم يذودون عنها
    ذياد اليائس، وشدَّد المسلمون عليهم الحصار يريدون الانتهاء من هذا القتال مسرعين،
    فقد أجهدهم الجوع وضاق بهم المقام، وأصيب كثير منهم بعلل شتى لرداءة الجو ووخامة
    المستنقعات، ثم جاء إلى النبي (صلَّى الله عليه وسلم) من أخبره أن اليهود لن يبالوا
    بهذا الحصار، فإن لهم مشارب خفية يخرجون إليها ليلاً فيستقون ويعودون، فأمر النبي
    (صلَّى الله عليه وسلم) بقطع مشاربهم ليكرههم على القتال أو التسليم، فخرجوا
    واشتبكوا مع المسلمين في صراع شديد استشهد فيه عدد من المسلمين بعد أن مهدوا الطريق
    لسقوط الحصن، ويسمى حصن الزبير وهو نهاية سلسلة من القلاع تسمى النطاة، استولى
    المسلمون عليها جميعاً بعدما دخلوا حصون ناعم، والصعب، والوطيح،
    والسلالم.


    وبقيت هناك سلسلة أخرى تهيأ المسلمون
    لمهاجمتها، فقام رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم) على قلعة يقال لها: سموان: فقاتل
    عليها أشد القتال، وخرج منها رجل يسمى عزولا، يبغي المبارزة، فهجم عليه "الحباب بن
    المنذر" فضربه بالسيف ضربة أطاحت يده اليمنى بنصف ذراعه، ثم وقع السيف من يده وفر
    اليهودي راجعاً فأدركه الحباب فقطع عرقوبه، وبرز آخر فقام إليه رجل من المسلمين
    فقتله اليهودي، فلحق به "أبو دجانة" فقتله وثأر لصاحبه، ثم كبر المسلمون وتحاملوا
    على الحصن وأمامهم "أبو دجانة" فاقتحموه بعد لأي، ووجدوا به أثاثاً وطعاماً وغنماً
    ومتاعاً.


    وأفلت بعض المحصورين فانضموا إلى إخوانهم
    بحصن البزاة وزحف المسلمون إليهم، وتراشق الفريقان بالنبل فأصيب بنان النبي (صلَّى
    الله عليه وسلم) في المعركة، ولكن المسلمين استبسلوا في الكر على العدو، حتى
    افتتحوا هذا الحصن الآخر وأخذوا من فيه باليد. ثم همَّ المسلمون بنصب المنجنيقات
    ليهدموا الحصون الباقية على من اعتصم فيها، فأيقن اليهود بالهلكة ولم يروا محيصاً
    من الاستسلام، فنزل ابن أبي الحقيق وعرض الصلح على أن يجلوا من أرض خيبر ولهم ما
    حملت ركابهم وللمسلمين سائر ما بقي، فقبل الصلح، واشترط عليهم رسول الله ألا يكتموا
    ولا يغيبوا شيئاً، فإن فعلوا فلا ذمة ولا عهد، فلما ثبت على بعضهم الغدر بما تمت
    عليه شروط الصلح قتل.


    وخضعت سائر يهود ثم جاءت تعرض على رسول الله
    (صلَّى الله عليه وسلم) أن يعاملهم بالنصف في زراعة الأرض، فقبل، ولم يجعل ذلك على
    الأبد مخافة عبثهم، بل قال لهم: إن شئنا أن نخرجكم أخرجناكم.


    وحدث في إبان المعركة أن عبداً حبشياً أسود
    كان يرعى لسيده اليهودي غنمه فلما رأى أهل خيبر يحملون السلاح ويتأهبون للحرب
    سألهم: ما تريدون؟ قالوا: نقاتل هذا الذي يزعم أنه نبي، فوقع في نفس الرجل ذكر
    النبوة وصاحبها، فأقبل على رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم) وسأله: ماذا تقول؟
    وإلام تدعو الناس؟ فأجابه: أدعو إلى الإسلام، وأن تشهد أن لا إله إلا الله وأني
    رسوله. وأن لا تعبد غيره. قال: فمالي إن شهدت وآمنت؟ قال: لك الجنة إن مت على ذلك؟
    فأسلم ثم قال: يا نبي الله إن هذه الغنم عندي أمانة. فقال رسول الله (صلَّى الله
    عليه وسلم) أخرجها من عندك وارمها بالحصباء فإن الله سيؤدي عنك أمانتك، ففعل، فرجعت
    الغنم إلى صاحبها، فعلم اليهودي أن غلامه أسلم، ثم قام رسول الله (صلَّى الله عليه
    وسلم) وقد تهيأ الناس للقتال فوعظهم وحضهم على الجهاد، والتحم الفريقان، فقتل العبد
    الأسود بين من قتل من المسلمين وحملت جثته إلى المعسكر، فروَوا أن رسول الله (صلَّى
    الله عليه وسلم) اطَّلع في الفسطاط الذي ضم جثمان الشهيد، ثم أقبل على أصحابه يقول:
    لقد أكرم الله هذا العبد وساقه إلى خير، رأيت عند رأسه اثنتين من الحور العين ولم
    يصلِّ لله سجدة قط!.


    وفي هذه الغزاة أذن النبي (صلَّى الله عليه
    وسلم) لمن تطوعن من النساء أن يخرجن معه.


    قال ابن إسحاق: شهد خيبر مع رسول الله نساء
    من نساء المسلمين، فرضخ لهن رسول الله من الفيء -أعطاهن يسيراً -ولم يضرب لهنَّ
    بسهم.


    وروى الإمام أحمد عن حشرج بن زياد عن جدته
    أم أبيه قالت: خرجنا مع رسول الله في غزوة خيبر وأنا سادسة ست نسوة، قالت فبلغ
    النبي أن معه نساء فأرسل إلينا فدعانا. قالت: فرأينا في وجهه الغضب قال: ما أخرجكن؟
    وبأمر من خرجتن؟ قلنا: خرجنا نناول السهام ونسقي السويق، ومعنا دواء للجرحى، ونغزل
    الشعر فنعين به في سبيل الله. قال فانصرفن.


    قالت: فلما فتح الله عليه خيبر أخرج لنا
    سهاماً كسهام الرجال. فقلت لها يا جدّة ما الذي أخرج لكن؟ قالت:
    تمرا.


    ويرى ابن كثير أن الرسول أعطاهن من ثمرات
    الأرض كالرجال، فأما أنه أسهم لهن في الأرض نفسها كالرجال فلا. وهذا
    حق.


    وفي حديث أبي داود أن نسوة من بني غفار قلن:
    يا رسول الله، قد أردنا أن نخرج معك في وجهك هذا -وهو يسير إلى خيبر- نداوي الجرحى
    ونعين المسلمين بما استطعنا. فقال: على بركة الله.


    وكانت صفية بنت حيي بنت أخطب زعيم اليهود
    بين من أسرن من نساء خيبر وقعت في يد أحد الصحابة، فاستردها منه الرسول ثم أعتقها
    وبنى بها، وجعل مهرها عتقها.


    فلما اطمأن به المقام أهدت له امرأة سلاَّم
    بن مشْكَم شاة مشوية مسمومة وأكثرت من السم في ذراع الشاة لما عرفته أن الرسول
    يؤثرها.


    وقد تناول النبي مضغة منها، فلاكها ثم
    لفظها، وهو يقول: إن هذا العظم ليخبرني أنه مسموم، وكان معه "بشر بن البراء" فأساغ
    اللحم وازدرده.


    وجيء بالمرأة الجانية فاعترفت بما صنعت،
    وقالت للنبي: بلغت من قومي ما لم يخفَ عليك، فقلـت: إن كان ملكاً استرحت منه، وإن
    كان نبياً فسيخبر، فتجاوز عنها النبي، ثم مات "بشر" بعدما سرى السم في جسمه، فقيل،
    اقتص له منها، وقيل: بل أسلمت وعفا عنها.


    ومكث يهود خيبر يزرعون الأرض على النصف من
    نتاجها، إلا أن بغضاءهم للمسلمين حملتهم على اقتراف بعض الجرائم، فقد اغتيل رجل من
    الأنصار، وفدعت يدا عبدالله بن عمر أيام خلافة أبيه، فخطب عمر الناس قائلا: إن رسول
    الله كان عامل يهود خيبر على أن نخرجهم إذا شئنا، وقد عدوا على عبدالله بن عمر
    ففدعوا يديه كما قد بلغكم، مع عدوهم على الأنصاري قبله، لا نشك أنهم أصحابه ليس لنا
    هناك عدو غيرهم..فمن كان له مال بخيبر فليلحق به، فإني مخرج يهود،
    فأخرجهم.


    ولا ريب أن الهزيمة التي أصابت بني إسرائيل
    في خيبر قضت على كيانهم العسكري في الجزيرة قضاء تاماً، فجاء يهود "فدك" يطلبون
    الأمان.


    وقاتل يهود وادي القرى بعدما دُعوا إلى
    الإسلام، وأخبرهم رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم) أنهم إن أسلموا أحرزوا أموالهم
    وحقنوا دماءهم وحسابهم على الله، فلما أبَوا نشبت بين الفريقين معركة محدودة، انتهت
    مع الصباح بسقوط الوادي اليهودي عنوة.


    واستسلم يهود تيماء.

    ومد الإسلام رواقه على هذه الأرض بعد أن ظلت
    حيناً من الدهر في أيدي اليهود، يعيشون عليها كما يشتهون.


    والعظة التي نستخلصها من هذه المعارك وما
    أعقبها من جلاء أن الأرض لله يورثها من يشاء، وهو لا ينتزعها من قوم ويعطيها آخرين
    محاباة. كلا، ولكن الأمة التي تفسد على النعمة تسلبها، ثم تساق النعمة إلى من
    يقدرها ويشكر الله عليها. والأمة التي تتكبر مع الحرية وتبطر، تفقد امتلاكها لنفسها
    وحقها وأمرها، لتقع في إسار الآخرين فيصرِّفون شؤونها كما
    يشتهون.


    وقد طُبِّق هذا القانون على بني إسرائيل
    بقسوة عندما أهدروا أحكام التوراة وتبعوا الهوى، وطبق ذلك على المسلمين يوم سدروا
    في الغواية وجحدوا ما لديهم من هداية.


    {وكَذلِكَ أخْذُ ربكَ إذا أخذَ القرى وهيَ ظالمةٌ، إن أخذهُ أليمٌ
    شديدٌ}.


    إن الحياة كرٌّ وفرٌّ، وإقبال وإدبار.
    والنظرة العجلى إلى تاريخ البشر توحي بأن مكان الصدارة لم يثبت لأمة من الأمم إلا
    ريثما تتهيأ أمة أخرى لانتزاعه.


    والدول التي سادت أشبه بلجج البحر التي
    ترتفع حيناً ثم لا تلبث أن تضمحل رويداً رويداً حتى تنداح على الشاطىء ضعيفة
    متطامنة، ولا مانع من أن تعود مرة أخرى مع المد لتبلغ الأوج، ثم تنفك عنها أسباب
    القوة فتهبط مستكينة من جديد.


    وقد ملك بنو إسرائيل وعزُّوا بقدر حكيم، ثم
    سلبوا الملك والعزة بقدر كذلك لترثهما دولة الإسلام الفتيّ الناهض، وتمَّ هذا
    التحول لخير البشر قاطبة.


    لماذا تظاهر اليهودية الوثنية ضد الإسلام؟
    ولمصلحة من يقع هذا؟ إن بني إسرائيل ينظرون إلى الدنيا والدين من خلال منافعهم
    الخاصة، وذلك ما حدا بهم إلى مقاومة الإسلام بعنف. أما القدر الأعلى فيريد أن يجعل
    من الأمة الجديدة رسالة تغيير شامل لما شاع في العالم أجمع من مفاسد، ولما عرا
    حضارته من تعفن وركود. فإذا وقفت حفنة من الأعراب أو حفنة من اليهود لتعترض هذا
    التحول الهائل بدوافع من الحقد الرخيص أو المطامع الدنيا، فهي التي جنت على نفسها
    إذا غرقت في الطوفان.


    لو ظل اليهود ألف سنة أخرى في جزيرة العرب
    ما زادوها إلا انقساماً، وما اكتسبت أقطار الأرض من بقائهم شيئاً، ربما نالت مزيداً
    من الحبوب والفواكه التي يتقنون زراعتها، بيد أنها لن تظفر بهذه الزيادة إلا ومعها
    كفل من الفساد الذي يصدِّره بنو إسرائيل إلى العالم مع معاملات الربا وأخلاق العهر
    والتحلل. أما الإسلام فقد خرج من الجزيرة يوم خرج رسالة إيمان وإصلاح، ومما يحمله
    في طواياه من حق ونفع استحق الانتصار والانتشار.


    فلما جرى على أمته من أسباب البلى والخمول
    ما جرى على اليهود الأولين تعرضت للطرد من أوطانها، والتشرد هنا وهناك، كما تعرض
    غيرهم، حذوك النعل بالنعل.




    2.7 المسلمون مع اليهود في غزوة خيبر:



    بقي أمام المسلمين فريقان من الخصوم
    الألداء:


    أعراب البادية الذين يسيحون في عرض الصحراء
    كالإبل السائمة لا يعقلون شيئاً، فإذا لاح مغنم طاروا وراءه، وقلَّما يلفتهم حديث
    الإيمان بالله واليوم الآخر.


    وبنو إسرائيل الذين ظنوا النبوة حكراً
    عليهم، فهم لا يفتأون يجبِّهون المسلمين ويكذِّبون محمداً ويجحدون رسالته، وقد
    أغرتهم القشور التي ورثوها من التوراة فجادلوا المسلمين جدالاً طويلا، وحرصوا أشد
    الحرص ألاَّ يعترفوا بهم، ثم ذهبوا إلى حد التأليب عليهم كما رأيت، فكانت سيرتهم
    مزيجاً غريباً من الحقد والكِبْر والدس، ومع ما ألهب جلودهم من سياط كاوية في
    صراعهم مع المسلمين، فإنهم لم يتحولوا عن خطتهم المريبة قيد
    أنملة.


    وجمعت عداوة الإسلام بين الأعراب البله،
    وأهل الكتاب اليهود، وعندما فشلت الأحزاب في اقتحام يثرب، وجنت قريظة عقبى غدرها،
    لم يهدأ يهود خيبر، أو يحاولوا إصلاح شؤونهم مع المسلمين، كلا إنهم شرعوا يصلون
    حبالهم بغطفان والأعراب الضاربين حولهم ليؤلفوا ضد الإسلام جبهة أخرى، تكيد من جديد
    لمحمد وصحبه. لكن المسلمين كانوا أيقاظاً لهذه المؤامرات، فما إن عادوا من عمرة
    الحديبية آخر السنة السادسة حتى توجهوا في المحرم من السنة السابعة إلى خيبر لكسر
    شوكة بني إسرائيل بها.


    ولم يفت المسلمين قبل مسيرهم أن يفصموا
    الجبهة المؤلفة ضدهم من يهود وغطفان، فأوهموا غطفان أن الهجوم متجه إليهم، وأن قوة
    المسلمين توشك أن تلتف بهم، قال ابن إسحاق: بلغني أن غطفان لما سمعت بمنزل رسول
    الله (صلَّى الله عليه وسلم) من خيبر جمعت له؛ ثم خرجوا ليظاهروا يهود عليه، حتى
    إذا ساروا مرحلة سمعوا خلفهم في أموالهم وأهليهم حساً فظنوا أن القوم خالفوهم إليهم
    فرجعوا على أعقابهم، وأقاموا في أهليهم وأموالهم، وخلَّوا بين رسول الله وبين
    خيبر!!.


    وهكذا نجحت الخطة في عزل يهود خيبر عن
    حلفائهم المشركين.


    فلما أشرف رسول الله على القرية المحصنة،
    وتهيأ لمنازلة أهلها، قال لأصحابه قفوا، ثم تضرع إلى الله بهذا
    الدعاء:


    اللهم ربَّ السموات وما أظللن، وربَّ
    الأرضين وما أقللن، وربَّ الشياطين وما أضللن، وربَّ الرياح وما أذرَيْن. فإنا
    نسألك خير هذه القرية وخير أهلها وخير ما فيها، ونعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما
    فيها.


    ثم قال: أقدموا باسم
    الله...


    ويظهر أن اليهود ظنوا -أول وهلة- أن زحف
    المسلمين صوب غطفان، فلم يعيروا الأمر التفاتاً بل أصبحوا غادين إلى حقولهم
    بمساحيهم ومكاتلهم حتى فوجئوا بالمسلمين يسيرون نحوهم، فارتدوا إلى حصونهم فزعين،
    وهم يقولون: محمد والخميس!.


    إن اليهود -على ما ألف المسلمون من حروبهم-
    لا يعتمدون على تسيير الجيوش في الفضاء الرحب، تصيب ويصاب منها.. إنهم يكرهون
    اللقاء في تلك الميادين المكشوفة، وديدنهم الذي لا ينفكون عنه هو الكفاح من وراء
    الجدران.


    أذلك بقية حرصهم على الحياة وتوقّيهم
    الموت؟.


    فلما رآهم النبي عليه الصلاة والسلام يهرعون
    إلى حصونهم أراد أن يقذف في قلوبهم الرعب فصاح: الله أكبر هلكت خيبر، إنا إذا نزلنا
    بساحة قوم فساء صباح المنذرين.


    والقرى الفاجرة تجر على نفسها الهلاك إن
    عاجلاً وإن آجلاً، روي عن رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم) أنه قال: "إذا شاع
    الزنا والربا في قرية فقد أحلَّت بنفسها غضب الله".


    واليهود يشيع فيهم هذا الفساد المزدوج، فهم
    إلى اليوم دهاقين الربا في العالم، وهم قادة التبرج والعهر، ونسوتهم لا يرددن يد
    لامس، ولا ينفي هذا أن فيهم فئة تعرف الخلق والعفة، ولكنهم
    قليل:


    {وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ
    يَعْدِلُونَ}.


    والكثرة -لا القلة- هي التي تحدد مصاير
    الشعوب.


    وشنَّ المسلمون هجومهم على الحصون المشيدة،
    فبدأت تتداعى تحت وطأتهم حصناً بعد حصن، ودافع اليهود عنها دفاع المستميت، فإن خيبر
    أخصب أرضهم وأمنع بقاعهم.


    ولما بدأ الحصار يمتد وبنو إسرائيل إذا سقطت
    لهم قلعة تمسكوا بأخرى، قال رسول الله: "لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله
    ويحبه الله ورسوله!" فبات الناس يذكرون أيهم يعطاها.


    فلما أصبحوا غدوا إليه متطلعين إلى أخذها،
    فنادى النبي (صلَّى الله عليه وسلم) علي بن أبي طالب فأعطاها إياه، فقال علي: يا
    رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ قال انفذ على رِسْلك حتى تنزل بساحتهم، ثم
    ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله، فوالله لأن يهدي الله بك
    رجلاً واحداً خير من أن يكون لك حمر النعم.


    وإنما ساق رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم)
    هذا النصح الرشيد حتى يقطع تطلع النفوس إلى المغانم المعجلة، فإن ثروة يهود -إذا
    هزموا- ضخمة، ولكن ثواب مقاتليهم -إذا اهتدوا- أضخم.


    ولو نزل القوم على أحكام الله، وتركوا
    الخلال الدنيئة التي عاشوا بها وعاملوا الناس بسوئها لأراحوا واستراحوا، غير أنهم
    أبوا إلا الحرب، فهاجمهم عليٌّ وشدد النكير، حتى سقط الحصن واحتله
    المسلمون.


    وكان الشعار يوم خيبر: يا منصور أمِتْ
    أمِتْ.


    وخرج من حصون اليهود فارس يدعى مرحبا فنادى
    في المسلمين من يبارز؟ وهو ينشد:


    قد علمت خيبر أني مَرْحب شاكي السلاح بطل
    مُجرَّبُ


    أطعنُ أحياناً، وحيناً أضرب إذا الليوث
    أقبلت تحرَّبُ


    فقيل: فتك به علي بن أبي طالب، وقيل: بل
    قتله محمد بن مسلمة، وكان محمود بن مسلمة أخوه قد ألقيت عليه في أثناء الحصار رحى
    فصرعته فثأر محمد له بقتل مرحب، وبرز بعد قتل مرحب أخوه ياسر، فتصدى له الزبير،
    وكانت صفية أم الزبير بين النسوة اللائي خرجن مع الجيش معاونات في قتال بني
    إسرائيل، فخشيت على ابنها أن يُقتل، فقال لها النبي (صلَّى الله عليه وسلم): بل
    ابنك يقتله إن شاء الله، فصَرَعَ الزبير ياسراً.


    وتشبث اليهود بما بقي من حصونهم يذودون عنها
    ذياد اليائس، وشدَّد المسلمون عليهم الحصار يريدون الانتهاء من هذا القتال مسرعين،
    فقد أجهدهم الجوع وضاق بهم المقام، وأصيب كثير منهم بعلل شتى لرداءة الجو ووخامة
    المستنقعات، ثم جاء إلى النبي (صلَّى الله عليه وسلم) من أخبره أن اليهود لن يبالوا
    بهذا الحصار، فإن لهم مشارب خفية يخرجون إليها ليلاً فيستقون ويعودون، فأمر النبي
    (صلَّى الله عليه وسلم) بقطع مشاربهم ليكرههم على القتال أو التسليم، فخرجوا
    واشتبكوا مع المسلمين في صراع شديد استشهد فيه عدد من المسلمين بعد أن مهدوا الطريق
    لسقوط الحصن، ويسمى حصن الزبير وهو نهاية سلسلة من القلاع تسمى النطاة، استولى
    المسلمون عليها جميعاً بعدما دخلوا حصون ناعم، والصعب، والوطيح،
    والسلالم.


    وبقيت هناك سلسلة أخرى تهيأ المسلمون
    لمهاجمتها، فقام رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم) على قلعة يقال لها: سموان: فقاتل
    عليها أشد القتال، وخرج منها رجل يسمى عزولا، يبغي المبارزة، فهجم عليه "الحباب بن
    المنذر" فضربه بالسيف ضربة أطاحت يده اليمنى بنصف ذراعه، ثم وقع السيف من يده وفر
    اليهودي راجعاً فأدركه الحباب فقطع عرقوبه، وبرز آخر فقام إليه رجل من المسلمين
    فقتله اليهودي، فلحق به "أبو دجانة" فقتله وثأر لصاحبه، ثم كبر المسلمون وتحاملوا
    على الحصن وأمامهم "أبو دجانة" فاقتحموه بعد لأي، ووجدوا به أثاثاً وطعاماً وغنماً
    ومتاعاً.


    وأفلت بعض المحصورين فانضموا إلى إخوانهم
    بحصن البزاة وزحف المسلمون إليهم، وتراشق الفريقان بالنبل فأصيب بنان النبي (صلَّى
    الله عليه وسلم) في المعركة، ولكن المسلمين استبسلوا في الكر على العدو، حتى
    افتتحوا هذا الحصن الآخر وأخذوا من فيه باليد. ثم همَّ المسلمون بنصب المنجنيقات
    ليهدموا الحصون الباقية على من اعتصم فيها، فأيقن اليهود بالهلكة ولم يروا محيصاً
    من الاستسلام، فنزل ابن أبي الحقيق وعرض الصلح على أن يجلوا من أرض خيبر ولهم ما
    حملت ركابهم وللمسلمين سائر ما بقي، فقبل الصلح، واشترط عليهم رسول الله ألا يكتموا
    ولا يغيبوا شيئاً، فإن فعلوا فلا ذمة ولا عهد، فلما ثبت على بعضهم الغدر بما تمت
    عليه شروط الصلح قتل.


    وخضعت سائر يهود ثم جاءت تعرض على رسول الله
    (صلَّى الله عليه وسلم) أن يعاملهم بالنصف في زراعة الأرض، فقبل، ولم يجعل ذلك على
    الأبد مخافة عبثهم، بل قال لهم: إن شئنا أن نخرجكم أخرجناكم.


    وحدث في إبان المعركة أن عبداً حبشياً أسود
    كان يرعى لسيده اليهودي غنمه فلما رأى أهل خيبر يحملون السلاح ويتأهبون للحرب
    سألهم: ما تريدون؟ قالوا: نقاتل هذا الذي يزعم أنه نبي، فوقع في نفس الرجل ذكر
    النبوة وصاحبها، فأقبل على رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم) وسأله: ماذا تقول؟
    وإلام تدعو الناس؟ فأجابه: أدعو إلى الإسلام، وأن تشهد أن لا إله إلا الله وأني
    رسوله. وأن لا تعبد غيره. قال: فمالي إن شهدت وآمنت؟ قال: لك الجنة إن مت على ذلك؟
    فأسلم ثم قال: يا نبي الله إن هذه الغنم عندي أمانة. فقال رسول الله (صلَّى الله
    عليه وسلم) أخرجها من عندك وارمها بالحصباء فإن الله سيؤدي عنك أمانتك، ففعل، فرجعت
    الغنم إلى صاحبها، فعلم اليهودي أن غلامه أسلم، ثم قام رسول الله (صلَّى الله عليه
    وسلم) وقد تهيأ الناس للقتال فوعظهم وحضهم على الجهاد، والتحم الفريقان، فقتل العبد
    الأسود بين من قتل من المسلمين وحملت جثته إلى المعسكر، فروَوا أن رسول الله (صلَّى
    الله عليه وسلم) اطَّلع في الفسطاط الذي ضم جثمان الشهيد، ثم أقبل على أصحابه يقول:
    لقد أكرم الله هذا العبد وساقه إلى خير، رأيت عند رأسه اثنتين من الحور العين ولم
    يصلِّ لله سجدة قط!.


    وفي هذه الغزاة أذن النبي (صلَّى الله عليه
    وسلم) لمن تطوعن من النساء أن يخرجن معه.


    قال ابن إسحاق: شهد خيبر مع رسول الله نساء
    من نساء المسلمين، فرضخ لهن رسول الله من الفيء -أعطاهن يسيراً -ولم يضرب لهنَّ
    بسهم.


    وروى الإمام أحمد عن حشرج بن زياد عن جدته
    أم أبيه قالت: خرجنا مع رسول الله في غزوة خيبر وأنا سادسة ست نسوة، قالت فبلغ
    النبي أن معه نساء فأرسل إلينا فدعانا. قالت: فرأينا في وجهه الغضب قال: ما أخرجكن؟
    وبأمر من خرجتن؟ قلنا: خرجنا نناول السهام ونسقي السويق، ومعنا دواء للجرحى، ونغزل
    الشعر فنعين به في سبيل الله. قال فانصرفن.


    قالت: فلما فتح الله عليه خيبر أخرج لنا
    سهاماً كسهام الرجال. فقلت لها يا جدّة ما الذي أخرج لكن؟ قالت:
    تمرا.


    ويرى ابن كثير أن الرسول أعطاهن من ثمرات
    الأرض كالرجال، فأما أنه أسهم لهن في الأرض نفسها كالرجال فلا. وهذا
    حق.


    وفي حديث أبي داود أن نسوة من بني غفار قلن:
    يا رسول الله، قد أردنا أن نخرج معك في وجهك هذا -وهو يسير إلى خيبر- نداوي الجرحى
    ونعين المسلمين بما استطعنا. فقال: على بركة الله.


    وكانت صفية بنت حيي بنت أخطب زعيم اليهود
    بين من أسرن من نساء خيبر وقعت في يد أحد الصحابة، فاستردها منه الرسول ثم أعتقها
    وبنى بها، وجعل مهرها عتقها.


    فلما اطمأن به المقام أهدت له امرأة سلاَّم
    بن مشْكَم شاة مشوية مسمومة وأكثرت من السم في ذراع الشاة لما عرفته أن الرسول
    يؤثرها.


    وقد تناول النبي مضغة منها، فلاكها ثم
    لفظها، وهو يقول: إن هذا العظم ليخبرني أنه مسموم، وكان معه "بشر بن البراء" فأساغ
    اللحم وازدرده.


    وجيء بالمرأة الجانية فاعترفت بما صنعت،
    وقالت للنبي: بلغت من قومي ما لم يخفَ عليك، فقلـت: إن كان ملكاً استرحت منه، وإن
    كان نبياً فسيخبر، فتجاوز عنها النبي، ثم مات "بشر" بعدما سرى السم في جسمه، فقيل،
    اقتص له منها، وقيل: بل أسلمت وعفا عنها.


    ومكث يهود خيبر يزرعون الأرض على النصف من
    نتاجها، إلا أن بغضاءهم للمسلمين حملتهم على اقتراف بعض الجرائم، فقد اغتيل رجل من
    الأنصار، وفدعت يدا عبدالله بن عمر أيام خلافة أبيه، فخطب عمر الناس قائلا: إن رسول
    الله كان عامل يهود خيبر على أن نخرجهم إذا شئنا، وقد عدوا على عبدالله بن عمر
    ففدعوا يديه كما قد بلغكم، مع عدوهم على الأنصاري قبله، لا نشك أنهم أصحابه ليس لنا
    هناك عدو غيرهم..فمن كان له مال بخيبر فليلحق به، فإني مخرج يهود،
    فأخرجهم.


    ولا ريب أن الهزيمة التي أصابت بني إسرائيل
    في خيبر قضت على كيانهم العسكري في الجزيرة قضاء تاماً، فجاء يهود "فدك" يطلبون
    الأمان.


    وقاتل يهود وادي القرى بعدما دُعوا إلى
    الإسلام، وأخبرهم رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم) أنهم إن أسلموا أحرزوا أموالهم
    وحقنوا دماءهم وحسابهم على الله، فلما أبَوا نشبت بين الفريقين معركة محدودة، انتهت
    مع الصباح بسقوط الوادي اليهودي عنوة.


    واستسلم يهود تيماء.

    ومد الإسلام رواقه على هذه الأرض بعد أن ظلت
    حيناً من الدهر في أيدي اليهود، يعيشون عليها كما يشتهون.


    والعظة التي نستخلصها من هذه المعارك وما
    أعقبها من جلاء أن الأرض لله يورثها من يشاء، وهو لا ينتزعها من قوم ويعطيها آخرين
    محاباة. كلا، ولكن الأمة التي تفسد على النعمة تسلبها، ثم تساق النعمة إلى من
    يقدرها ويشكر الله عليها. والأمة التي تتكبر مع الحرية وتبطر، تفقد امتلاكها لنفسها
    وحقها وأمرها، لتقع في إسار الآخرين فيصرِّفون شؤونها كما
    يشتهون.


    وقد طُبِّق هذا القانون على بني إسرائيل
    بقسوة عندما أهدروا أحكام التوراة وتبعوا الهوى، وطبق ذلك على المسلمين يوم سدروا
    في الغواية وجحدوا ما لديهم من هداية.


    {وكَذلِكَ أخْذُ ربكَ إذا أخذَ القرى وهيَ ظالمةٌ، إن أخذهُ أليمٌ
    شديدٌ}.


    إن الحياة كرٌّ وفرٌّ، وإقبال وإدبار.
    والنظرة العجلى إلى تاريخ البشر توحي بأن مكان الصدارة لم يثبت لأمة من الأمم إلا
    ريثما تتهيأ أمة أخرى لانتزاعه.


    والدول التي سادت أشبه بلجج البحر التي
    ترتفع حيناً ثم لا تلبث أن تضمحل رويداً رويداً حتى تنداح على الشاطىء ضعيفة
    متطامنة، ولا مانع من أن تعود مرة أخرى مع المد لتبلغ الأوج، ثم تنفك عنها أسباب
    القوة فتهبط مستكينة من جديد.


    وقد ملك بنو إسرائيل وعزُّوا بقدر حكيم، ثم
    سلبوا الملك والعزة بقدر كذلك لترثهما دولة الإسلام الفتيّ الناهض، وتمَّ هذا
    التحول لخير البشر قاطبة.


    لماذا تظاهر اليهودية الوثنية ضد الإسلام؟
    ولمصلحة من يقع هذا؟ إن بني إسرائيل ينظرون إلى الدنيا والدين من خلال منافعهم
    الخاصة، وذلك ما حدا بهم إلى مقاومة الإسلام بعنف. أما القدر الأعلى فيريد أن يجعل
    من الأمة الجديدة رسالة تغيير شامل لما شاع في العالم أجمع من مفاسد، ولما عرا
    حضارته من تعفن وركود. فإذا وقفت حفنة من الأعراب أو حفنة من اليهود لتعترض هذا
    التحول الهائل بدوافع من الحقد الرخيص أو المطامع الدنيا، فهي التي جنت على نفسها
    إذا غرقت في الطوفان.


    لو ظل اليهود ألف سنة أخرى في جزيرة العرب
    ما زادوها إلا انقساماً، وما اكتسبت أقطار الأرض من بقائهم شيئاً، ربما نالت مزيداً
    من الحبوب والفواكه التي يتقنون زراعتها، بيد أنها لن تظفر بهذه الزيادة إلا ومعها
    كفل من الفساد الذي يصدِّره بنو إسرائيل إلى العالم مع معاملات الربا وأخلاق العهر
    والتحلل. أما الإسلام فقد خرج من الجزيرة يوم خرج رسالة إيمان وإصلاح، ومما يحمله
    في طواياه من حق ونفع استحق الانتصار والانتشار.


    فلما جرى على أمته من أسباب البلى والخمول
    ما جرى على اليهود الأولين تعرضت للطرد من أوطانها، والتشرد هنا وهناك، كما تعرض
    غيرهم، حذوك النعل بالنعل.




    4.7 غزو المسلمين لفيافي نجد وتأديب الأعراب:



    أما عبدة الأصنام من البدو فإن المسلمين
    شرعوا يتعقبونهم مذ خلصوا من مشكلات اليهود. وقد أشرنا إلى أن شمل هؤلاء الأعراب
    انتكث بعد الموادعة التي تمت في الحديبية بين قريش والمسلمين. كانوا أمس يحاصرون
    دار الإسلام أحزاباً متحدة، لكن الحال تبدلت اليوم. تمزق بنو إسرائيل، وانسحب أهل
    مكة ، وأمكن للمسلمين أن ينفردوا بأولئك القوم قبيلة إثر قبيلة، ولن يعجز المسلمون
    عن حسم شرورهم ووقف فوضاهم. إن البدو جنس جاف غليظ، ولن ننسى أنهم حتى القرن الأخير
    كانوا يستمرئون الفتك بقوافل الحجاج، وقد يذبحون الحاج لدراهم
    معدودة.


    وعلمهم بشؤون الدنيا وحقوق الآخرة يُعنى
    المدرسين، وقد بذل الإسلام جهوداً جبارة في رفع مستواهم المادي و الأدبي. إلا أن
    اغتيال الدعاة من القراء المربين جعل الإسلام يظهر رجاله هؤلاء بالقوة التي تمنع
    الشغب وتقطع دابر الفساد.


    وكان بث السرايا في فيافي "نجد" من أهم ما
    شغل المسلمين بعدما رجعوا من خيبر في صفر من السنة السابعة حيث شدوا الرحال إلى مكة
    لعمرة القضاء كما نص على موعدها في عهد الحديبية .


    ولا يعنينا كثيراً أن نتبع هذه السرايا في
    مسيرها فهي -وإن وطدت هيبة المسلمين العسكرية- أقرب إلى فرق الشرطة منها إلى الجيوش
    المعبأة.


    والهدف الأكبر من بعثها توطيد الأمن، ومنع
    الغارات على المدينة ، وتمكين الدعاة إلى الله من أن يجوبوا الآفاق بتعاليم الرسالة
    دون غدر أو خيانة.


    إن أحوال هذه القبائل قريبة الشبه بأحوال
    قرانا في عهد الإقطاع القريب، كان العمدة يملك ألف صوت ناخب في قريته، فالحديث عن
    الحرية السياسية في هذا الجو حديث خرافة. كذلك كان رؤساء القبائل الأولون، تلتف
    حولهم عشائرهم وبطونهم ليتناصروا في الحرب والسلم على ما يهوى
    السادة.


    فإذا كثر في أولئك الحاكمين من يوصف بالأحمق
    المطاع، وإذا اشتغل أولئك الحمقى بالكر والفر على نحو ما قال دريد بن
    الصمة:


    يُغار علينا واترين فيُشْتفى بنا إن
    أُصِبنا، أو نُغير على وَتْر!


    قسمنا بذاك الدهر شطرين بيننا فما ينقضي إلا
    ونحن على شطر!


    أفترى أن الدعاة يسيرون عزّلاً في هذه
    البيئة التي تخطف الأموال والعقائد؟.


    إن العمل على توطيد الأمن شيء غير إكراه
    الناس على الإيمان، هدف الأول إقصاء الضغط والفتنة عن المجتمع حتى إذا آمن فرد في
    قبيل لم يجد من يصب عليه سوط عذاب. أما الآخر فيريد بالسوط أن يحمل الناس على عقيدة
    معينة.


    والسرايا التي كان الرسول عليه الصلاة
    والسلام يسيِّرها إلى كل فج كانت تحمل معها كلام الله لتقرأ
    منه.


    {قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ.
    فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ.
    وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ
    الْجَحِيمِ}.


    فالسعي لمعاجزة الآيات أمر خطير، ولو كانت
    معاجزة باللسان ما اكترث لها أحد، فهيهات أن تغلب الخرافة الحق في معرض جدل حر،
    إنها معاجزة بالسطو والقهر.


    {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي
    وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ
    يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا..}.


    فإذا تأهب التالي حتى لا يروح ضحيَّة هذا
    السَّطْو فهو يؤدي واجبه، وإذا سُخِّرت القوة لتطهير الحياة من أسباب هذا السطو
    فأيُّ غبارٍ على هذا العمل؟.


    وقد مضى المسلمون في نشر الدعوة داخل جزيرة
    العرب على ذلك الأساس العادل، ومنذ أمضوا عهد الحديبية وهم دائبون على البلاغ
    والتبصرة، ولذلك نجحوا نجاحاً ملحوظاً في هذا المضمار، فدخلت قبائل كثيرة في عهدهم،
    على حين انصرفت جموع الأعراب عن قريش فلم يدخل في عهدهم أحد، وسير الأمور في هذا
    الاتجاه كان التمهيد الفعّال لغلبة الإسلام، ثم لفتح مكة نفسها فيما
    بعد.


    والدعوة إلى الإسلام داخل الجزيرة لم تشغل
    النبي عن حق آخر من حقوق الله عليه، وهو إعلام الناس كافة بما آتاه الله من
    بينات.


    فليرفع السراج إلى أعلى لتصل أشعته الهادية
    إلى مواطن أبعد، مواطن غرقت في الظلام دهراً.


    {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلْ اللَّهُ شَهِيدٌ
    بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنذِرَكُمْ بِهِ
    وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ
    لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا
    تُشْرِكُونَ}.


    فليتجه إلى المجوس، وإلى النصارى، يدعوهم
    إلى توحيد الله والإسلام له والخضوع لأحكامه...




      الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين ديسمبر 10, 2018 3:48 am